في خطوة دبلوماسية حاسمة تهدف إلى رسم ملامح ما بعد الحرب، وجه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي دعوة صريحة إلى الولايات المتحدة الأمريكية لتقديم إجابات دقيقة وتفاصيل واضحة بشأن الضمانات الأمنية التي ستحصل عليها كييف. وتأتي هذه المطالبة في وقت حساس للغاية، حيث تجري محادثات مكثفة تهدف إلى وضع حد للنزاع العسكري المستمر مع روسيا، وسط مخاوف أوكرانية من تكرار سيناريوهات الماضي.
وخلال مؤتمر صحفي عقده في العاصمة البلجيكية بروكسل، كشف زيلينسكي عن النقطة الجوهرية التي لا تزال عالقة في المفاوضات، قائلاً: "هناك سؤال لم أحصل بعد على جواب عليه… وهو سؤال حول مجمل الضمانات الأمنية". وأوضح الرئيس الأوكراني أن جوهر مخاوفه يكمن في معرفة رد الفعل الأمريكي المستقبلي، متسائلاً بوضوح عما ستقوم به واشنطن في حال أقدمت روسيا على ارتكاب اعتداء جديد بعد التوصل لأي اتفاق سلام محتمل.
السياق التاريخي وأزمة الثقة
لفهم إصرار زيلينسكي على "الضمانات الملموسة"، يجب النظر إلى الخلفية التاريخية للعلاقات الأوكرانية الروسية والغربية. تستند المخاوف الأوكرانية بشكل كبير إلى تجربة "مذكرة بودابست" لعام 1994، التي تخلت بموجبها أوكرانيا عن ترسانتها النووية مقابل "تطمينات" أمنية من القوى العظمى، بما فيها روسيا والولايات المتحدة، باحترام سيادتها. وقد أثبت الغزو الروسي في عام 2014 ثم الاجتياح الشامل في فبراير 2022 هشاشة تلك التطمينات غير الملزمة، مما يدفع القيادة الأوكرانية اليوم للمطالبة بآليات دفاعية ملزمة واتفاقيات ثنائية صلبة تمنع أي عدوان مستقبلي.
جولة محادثات حاسمة في واشنطن
وفي سياق التحركات الدبلوماسية، أعلن زيلينسكي عن انطلاق جولة جديدة من المحادثات الاستراتيجية بين الوفد الأوكراني والمسؤولين الأمريكيين يومي الجمعة والسبت في الولايات المتحدة. وتكتسب هذه الجولة أهمية قصوى كونها تناقش "خطة النصر" أو صيغ إنهاء الحرب التي تطرحها كييف. وأشار زيلينسكي للصحفيين بقوله: "سيكون وفدنا موجوداً في الولايات المتحدة، وهم ينتظرون وصوله"، ملمحاً إلى احتمالية مشاركة أطراف أوروبية في هذه المداولات لضمان توحيد الموقف الغربي.
الأبعاد الاستراتيجية والتأثير الدولي
تتجاوز قضية الضمانات الأمنية لأوكرانيا البعد المحلي لتشكل نقطة ارتكاز للأمن الإقليمي والدولي في أوروبا. يرى المحللون أن عدم حصول أوكرانيا على ضمانات أمنية رادعة (سواء عبر عضوية الناتو أو اتفاقيات ثنائية بقوة المادة الخامسة) قد يترك الباب مفتوحاً أمام روسيا لإعادة تجميع صفوفها وشن هجمات مستقبلية، مما يهدد استقرار الجناح الشرقي لأوروبا بالكامل. وبالتالي، فإن الإجابة الأمريكية التي ينتظرها زيلينسكي لن تحدد فقط مصير الحرب الحالية، بل سترسم شكل النظام الأمني الأوروبي للعقود القادمة.


