شهدت القاعة الرئيسية في معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، حدثًا ثقافيًا بارزًا تمثل في ندوة فكرية حملت عنوان “زرقاء اليمامة.. أول أوبرا سعودية”. لم تكن الندوة مجرد احتفاء بعمل فني، بل كانت حوارًا معمقًا حول تجربة فنية فريدة تجمع بين أسطورة عربية خالدة، وعمق الشعر، ورقي فن الأوبرا العالمي، لتعلن عن ميلاد فصل جديد في تاريخ الفن السعودي والعربي.
شارك في الندوة نخبة من صناع العمل، يتقدمهم الشاعر والكاتب المسرحي صالح زمانان، والسوبرانو دينا إسكندر، والمخرج والناقد الدكتور مدحت الكاشف، والمايسترو ناير ناجي، وأدارها الإعلامي محمد فاضل القباني، الذي أكد أن هذا اللقاء يطرح أسئلة جوهرية حول الهوية واللغة وقدرة الأوبرا العربية على حجز مكانتها في المشهد الثقافي العالمي.
من هي زرقاء اليمامة؟ أسطورة البصيرة والمأساة
قبل الخوض في تفاصيل العمل الأوبرالي، لا بد من العودة إلى جذور الأسطورة. زرقاء اليمامة هي شخصية شهيرة في التراث العربي تعود إلى حقبة ما قبل الإسلام، وتحديدًا من قبيلة جديس التي استوطنت منطقة اليمامة (وسط المملكة العربية السعودية حاليًا). اشتهرت ببصرها الحاد الخارق الذي مكنها من رؤية الأجسام من مسافات شاسعة. تكمن مأساة الأسطورة في تحذيرها لقومها من جيش قادم لغزوهم، بعد أن رأتهم يحملون الأشجار ليتخفوا خلفها، إلا أن قومها لم يصدقوها وسخروا من تحذيرها، فكانت النتيجة إبادة القبيلة. هذه القصة المأساوية عن البصيرة المهملة والصوت الذي لا يُسمع هي التي شكلت النواة الدرامية للأوبرا.
أهمية استراتيجية: الأوبرا كجزء من رؤية السعودية 2030
يأتي إنتاج أوبرا “زرقاء اليمامة” كأول أوبرا سعودية في سياق تحول ثقافي واجتماعي كبير تشهده المملكة العربية السعودية، وهو يمثل تجسيدًا حيًا لأهداف رؤية 2030. تسعى الرؤية إلى تنويع الاقتصاد وتعزيز القطاعات غير النفطية، ومن ضمنها قطاع الثقافة والفنون. هذا العمل الضخم لا يهدف فقط إلى تقديم عرض فني عالمي المستوى، بل يمثل استثمارًا في المواهب المحلية، وبناء بنية تحتية للفنون الأدائية، وتقديم التراث السعودي والعربي للعالم بلغة فنية عالمية. إنها خطوة تؤسس لمرحلة جديدة من الإنتاج الثقافي السعودي الطموح، وتضع المملكة على خريطة الفن الأوبرالي العالمي.
تحديات فنية وإنتاج عالمي
خلال الندوة، كشف الشاعر صالح زمانان عن رحلة كتابة النص التي استندت إلى الشعر كعنصر أساسي في الحضارة العربية. وأوضح أن التحدي كان في صياغة نص شعري يخدم الدراما الصوتية الأوبرالية، ويعبر عن الحزن الأبدي في صوت زرقاء اليمامة. وأشار إلى أن المشروع كان مغامرة حقيقية استغرقت ثلاث سنوات من العمل في ثلاث مدن عالمية، بمشاركة مبدعين من أكثر من 20 دولة، مما يعكس الطابع العالمي للإنتاج. من جانبه، أوضح المايسترو ناير ناجي أن تدريب المغنين الأجانب على النطق العربي الصحيح كان تحديًا كبيرًا استغرق عامين، مؤكدًا أن النص الشعري كان له دور محوري في تشكيل البناء الموسيقي. أما السوبرانو دينا إسكندر، فأكدت أن الغناء الأوبرالي بالعربية أتاح لها استكشاف إمكانيات صوتية جديدة، وتجسيد البعد المأساوي للشخصية بعمق. وفي ختام الأمسية، قدمت مقطوعة موسيقية من الأوبرا على أنغام البيانو للمايسترو ناجي، لتمنح الحضور لمحة عن سحر هذا العمل التاريخي.


