في خطوة تصعيدية غير مسبوقة، قررت رابطة مشجعي كرة القدم في أوروبا (FSE) اللجوء إلى القضاء والتقدم بشكوى رسمية أمام المفوضية الأوروبية ضد الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا). يأتي هذا التحرك بعد تنديدات سابقة لم تلقَ استجابة بشأن أسعار تذاكر المونديال لعام 2026، والتي وُصفت بأنها “فلكية” وباهظة للغاية، إلى جانب اتهامات باعتماد إجراءات شراء غامضة وغير نزيهة تضر بمصلحة المشجعين.
جذور أزمة أسعار تذاكر المونديال وتطورها التاريخي
لم تكن مشاهدة مباريات كأس العالم حكراً على الأثرياء في الماضي، بل كانت بطولة شعبية تجمع الجماهير من كافة الطبقات. تاريخياً، حرص الفيفا على توفير فئات تذاكر بأسعار في متناول الجميع، ففي ملف استضافة مونديال 2018، تم الوعد بتذاكر تبدأ أسعارها من 21 دولاراً (حوالي 18 يورو). ومع مرور النسخ، بدأت التكاليف في الارتفاع التدريجي، وصولاً إلى مونديال قطر 2022 الذي شهد زيادة ملحوظة، لكنها ظلت ضمن إطار يمكن لبعض الفئات تحمله. أما اليوم، فإن أسعار تذاكر المونديال للنسخة المقبلة في الولايات المتحدة والمكسيك وكندا تمثل قفزة غير مسبوقة، حيث يعتمد الفيفا على نظام “التسعير الديناميكي” الذي يرفع التكلفة بناءً على حجم الطلب، مما يحول البطولة إلى فعالية نخبوية.
تفاصيل الشكوى الأوروبية ضد ممارسات الفيفا
بالتعاون مع منظمة “يورو كونسيوبرز” الممثلة للمستهلكين في أوروبا، اتهمت الرابطة الفيفا بإساءة استخدام موقعه الاحتكاري في السوق. وبدأ هذا الحراك منذ ديسمبر الماضي، حينما أعربت الرابطة عن ذهولها من التكاليف المفروضة على تذاكر “تخصيصات الاتحادات المشاركة” (PMA)، وهي التذاكر المخصصة للمشجعين الأوفياء الذين يتابعون منتخبات بلادهم. وطالبت الرابطة بتعليق فوري لبيع هذه التذاكر، وإطلاق مشاورات لإعادة النظر في الأسعار للوصول إلى حل يحترم التقاليد الثقافية لكأس العالم.
وكشفت الجداول السرية التي اطلعت عليها الرابطة أن تكلفة متابعة مشجع لفريق واحد من المباراة الأولى حتى النهائي لن تقل عن 6900 دولار، وهو ما يعادل خمسة أضعاف التكلفة في مونديال 2022. وما يزيد الطين بلة هو أن الفئة الأقل سعراً لن تكون متاحة لتذاكر الاتحادات المشاركة، بل ستخضع للبيع العام بالتسعير الديناميكي. كما رصدت الهيئات ستة تجاوزات محددة، منها أن أرخص تذكرة للنهائي تبدأ من 4185 دولاراً (أكثر بسبعة أضعاف من النسخة السابقة)، ونفاد التذاكر ذات الـ 60 دولاراً قبل فتح باب المبيعات العامة، فضلاً عن فرض رسوم بنسبة 15 بالمئة على عمليات إعادة البيع، وعدم ضمان موقع المقعد أو هوية المنتخبات عند الشراء.
الأهمية الاقتصادية والرياضية للحدث وتأثيره العالمي
تكتسب بطولة كأس العالم 2026 أهمية استثنائية، ليس فقط لكونها تقام في ثلاث دول كبرى في أمريكا الشمالية، بل لأنها النسخة الأولى التي ستشهد مشاركة 48 منتخباً بدلاً من 32، مما يعني إقامة 104 مباريات. هذا التوسع الضخم يحمل تأثيراً اقتصادياً هائلاً على المستويين الإقليمي والدولي، حيث تتوقع الدول المضيفة عوائد مليارية من السياحة والبنية التحتية. ومع ذلك، فإن إقصاء المشجع العادي بسبب الأسعار المرتفعة يهدد الطابع الجماهيري للبطولة ويفرغها من قيمتها الثقافية.
ورغم هذه الانتقادات، يبدو أن الطلب العالمي لا يزال في أوجه. ففي منتصف فبراير، أشاد رئيس الفيفا، جياني إنفانتينو، بالطلب “غير المسبوق”، مؤكداً أن جميع المباريات ستُلعب بمدرجات ممتلئة. وأوضح أن المرحلة الثانية من المبيعات شهدت تلقي 508 ملايين طلب للحصول على تذاكر خلال أربعة أسابيع فقط، للتنافس على قرابة سبعة ملايين تذكرة متاحة من أكثر من 200 دولة، مما يعكس الشغف العالمي الكبير، ولكنه يطرح تساؤلات جدية حول مستقبل حقوق المشجعين في مواجهة الاستثمار الرياضي البحت.


