أزمة الشح المائي: 2.1 مليار بلا مياه آمنة وحلول مبتكرة

أزمة الشح المائي: 2.1 مليار بلا مياه آمنة وحلول مبتكرة

22.03.2026
13 mins read
تعرف على أبعاد أزمة الشح المائي العالمية التي تحرم 2.1 مليار شخص من المياه الآمنة، واكتشف أحدث التقنيات المبتكرة مثل استخلاص المياه من الهواء لمواجهتها.

تعد التوعية بأهمية المياه العذبة كشريان للحياة ضرورة قصوى لمواجهة أزمة الشح المائي العالمية. تاريخياً، بدأ العالم يدرك خطورة هذه الأزمة بشكل متزايد منذ أواخر القرن العشرين مع التوسع العمراني والنمو السكاني، مما دفع الأمم المتحدة لإقرار اليوم العالمي للمياه في عام 1993 لتسليط الضوء على أهمية الإدارة المستدامة للموارد المائية. واليوم، تحرم هذه الأزمة نحو 2.1 مليار شخص من خدمات مياه الشرب الآمنة، الأمر الذي يفرض ضرورة ملحة للبحث عن حلول تقنية مبتكرة لضمان مستقبل آمن ومستدام للأجيال القادمة.

التغيرات المناخية وتفاقم أزمة الشح المائي

أوضحت الباحثة بكلية علوم البحار بجامعة الملك عبدالعزيز، نجود الحربي، بمناسبة اليوم العالمي للمياه، أن استدامة الموارد المائية تواجه تحدياً جوهرياً يتمثل في اختلال الدورة المائية نتيجة التغيرات المناخية المتسارعة.

الباحثة بكلية علوم البحار بجامعة الملك عبدالعزيز، نجود الحربي

وأشارت إلى أن ارتفاع درجات الحرارة يؤدي إلى زيادة التبخر واضطراب أنماط الهطول، فتشتد الأمطار في فترات قصيرة وتقابلها فترات جفاف أطول، إضافة إلى تأثير ذوبان الجليد وارتفاع مستوى البحر في تقليص مساحات المياه العذبة.

التأثيرات المتوقعة محلياً وإقليمياً ودولياً

على الصعيد الدولي، يتفاقم الوضع مع تزايد مخاطر الفيضانات والجفاف واشتداد الظواهر المناخية المتطرفة وفق تقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC). أما إقليمياً ومحلياً، فتبرز التحديات بوضوح في منطقة الشرق الأوسط والمملكة العربية السعودية بسبب محدودية الموارد المائية المتجددة، والاستنزاف المتسارع للمياه الجوفية. هذا الوضع أدى إلى الاعتماد الكبير على تحلية المياه، التي تشكل نحو 60% من الإمدادات المدنية في المملكة، مع ما يرتبط بذلك من تكاليف مرتفعة للطاقة والنقل وأثر بيئي ملحوظ. ولا يقتصر أثر هذه التحديات على توفر المياه فحسب، بل يمتد ليؤثر بشكل مباشر على الأمن الغذائي، والصحي، والبيئي، مما يجعل الأمن المائي ركيزة أساسية لاستقرار الدول ونموها الاقتصادي.

تحديات القطاع الزراعي ومصادره المكلفة

وترى الباحثة أن هذه التحديات تظهر جلياً في القطاع الزراعي؛ حيث تؤدي درجات الحرارة المرتفعة والرياح الجافة إلى زيادة معدلات التبخر ونتح النباتات، مما يرفع الاحتياجات المائية للمحاصيل ويزيد الضغط على الموارد المائية، ويعزز الاعتماد على مصادر مكلفة وغير مستدامة لتلبية الطلب الغذائي المتزايد.

ثورة التقنيات الحديثة واستخلاص المياه من الهواء

لمواجهة هذه التحديات المعقدة، استعرضت الباحثة دور التقنيات الحديثة والابتكارات في مجالات تحلية المياه وإعادة تدويرها. ففي التحلية، تسهم تقنيات التناضح العكسي (RO) والأغشية المتطورة في رفع كفاءة الفصل وخفض استهلاك الطاقة. كما تُستخدم تقنيات التحفيز الضوئي بالاعتماد على المواد النانوية لمعالجة الملوثات العضوية باستخدام الطاقة الشمسية.

وتبرز هنا الابتكارات الرائدة، مثل المواد المسامية المتقدمة (MOFs) التي طوّرها العالم السعودي الحاصل على جائزة نوبل، البروفيسور عمر ياغي. تنجح هذه التقنية المذهلة في استخلاص المياه من الهواء حتى في البيئات شديدة الجفاف، مع إمكانية إنتاج كميات تصل إلى نحو 1000 لتر يومياً دون الحاجة لاستهلاك طاقة كهربائية، مما يمثل طوق نجاة للمناطق النائية.

تقنيات الزراعة الذكية وتكامل الطاقة

تتجه الابتكارات أيضاً نحو تعظيم الاستفادة من الرجيع الملحي (Brine) واستخلاص المعادن منه. وفي مجال الزراعة الذكية المستدامة، طوّرت شركات متخصصة مواد مبتكرة مثل “CarboSoil” الذي يعزز السعة المائية للتربة، و”SandX” وهي طبقة تغطية تقلل الفقد بالتبخر بنسبة تصل إلى 80%. كما تبرز تقنية الفقاعات النانوية (Nanobubbles) لتعزيز انتقال الغازات داخل الماء وتحسين إزالة الملوثات.

وفي إطار تكامل الماء والطاقة، يبرز الهيدروجين الأخضر كحل استراتيجي لإزالة الكربون في قطاع التحلية، مع توجه المملكة لاعتماده بديلاً للطاقة التقليدية، حيث تشير التوقعات إلى أن الطلب عليه قد يصل إلى 21% من استهلاك الطاقة العالمي بحلول عام 2050.

مسؤولية مشتركة وثقافة ترشيد الاستهلاك

أكدت الحربي أنه يمكن تعزيز ثقافة ترشيد استهلاك المياه عبر نشر الوعي بأهميتها وندرتها، وتبني سلوكيات يومية واعية. ويزداد أثر هذا التوجه عند ربطه بالقيم الدينية، إذ يدعو الإسلام بوضوح إلى حفظ النعم وعدم الإسراف، لتصبح عملية ترشيد المياه عبادة وسلوكاً حضارياً مستداماً.

واختتمت بالإشارة إلى أن تلوث المياه وسوء إدارة مصادرها ينعكس بشكل مباشر على الصحة العامة من خلال انتشار الأمراض، ويتسبب في تدهور النظم البيئية. لذا، فإن الحفاظ على المياه مسؤولية تنبع من إدراك دور الإنسان في عمارة الأرض، وتبدأ من المنزل عبر تنمية الوعي منذ الصغر، لتسهم في بناء جيل واعٍ ومسؤول قادر على حماية مقدرات وطنه ومواجهة تحديات المستقبل.

اترك تعليقاً

Your email address will not be published.

أذهب إلىالأعلى