يُمثِّل مشروع “وادي الفن” في محافظة العُلا السعودية، الذي يمتد على مساحة شاسعة تبلغ 65 كيلومترًا مربعًا، نقلة نوعية في المشهد الثقافي العالمي. هذا المشروع الطموح ليس مجرد معرض فني، بل هو وجهة ثقافية دائمة يجري تطويرها لتحويل فضاء طبيعي مفتوح إلى تجربة فنية معاصرة تتناغم مع البيئة الصحراوية الفريدة، وتؤسس لحوار مستمر بين الفن والطبيعة والتاريخ.
السياق العام ورؤية 2030
يأتي إطلاق “وادي الفن” كأحد الركائز الأساسية ضمن خطط التطوير الشاملة لمحافظة العُلا، والتي تندرج تحت مظلة رؤية السعودية 2030. تهدف الرؤية إلى تنويع مصادر الاقتصاد الوطني وتقليل الاعتماد على النفط، من خلال الاستثمار في قطاعات واعدة مثل السياحة والثقافة والترفيه. وفي هذا الإطار، تُعد العُلا بمثابة جوهرة التاج في استراتيجية التحول الثقافي للمملكة، حيث يتم العمل على تحويلها إلى أكبر متحف حي في العالم، يربط بين إرثها التاريخي العريق ومستقبلها الإبداعي الواعد.
أهمية تاريخية وجغرافية
لم يأتِ اختيار العُلا لاحتضان هذا المشروع من فراغ. فهذه المنطقة كانت على مر العصور ملتقى للحضارات القديمة، مثل المملكتين الدادانية واللحيانية، وصولًا إلى الأنباط الذين شيدوا مدينة الحِجر (مدائن صالح)، أول موقع سعودي يُدرج على قائمة اليونسكو للتراث العالمي. إن إقامة أعمال فنية معاصرة على هذه الأرض التي شهدت طبقات من التاريخ الإنساني، يخلق حوارًا فريدًا بين الماضي والحاضر، ويمنح الزائر تجربة غامرة تتجاوز المفهوم التقليدي لزيارة المتاحف.
مفهوم فني مستدام وتأثير عالمي
يقوم مشروع “وادي الفن” على مقاربة معاصرة تُعرف بـ “فن الأرض” (Land Art)، حيث تُصمم الأعمال الفنية خصيصًا لتتكامل مع تضاريس الموقع الطبيعية. تعتمد هذه المقاربة على مبادئ الاستدامة، حيث تُنفذ الأعمال بأسلوب يحترم البيئة ولا يمس بتكوينها الجيولوجي، ليصبح الفن جزءًا عضويًا من المشهد الطبيعي. من المتوقع أن يستقطب المشروع نخبة من أبرز الفنانين السعوديين والعالميين، حيث تم بالفعل تكليف فنانين مثل منال الضويان وأحمد ماطر من السعودية، إلى جانب أسماء عالمية بارزة مثل جيمس توريل وأغنيس دينيس ومايكل هايزر لتقديم أعمال دائمة ستُعرض أولاها بحلول عام 2026.
التأثير المتوقع للمشروع
على الصعيد المحلي، سيُسهم “وادي الفن” في خلق فرص عمل جديدة لأبناء المنطقة، وتنشيط الحركة الاقتصادية، وتعزيز مكانة العُلا كوجهة سياحية وثقافية رائدة. أما إقليميًا ودوليًا، فإنه يضع المملكة العربية السعودية على خريطة الفن المعاصر العالمية، ويجذب شريحة جديدة من السياح والمهتمين بالفنون والثقافة من جميع أنحاء العالم. سيصبح الوادي معلمًا فنيًا عالميًا دائمًا، يقدم تجربة لا مثيل لها، ويعزز من القوة الناعمة للمملكة ودورها كمركز للإبداع والابتكار في المنطقة.


