في تطور دراماتيكي للمشهد السياسي في كاراكاس، أعلن وزير الدفاع الفنزويلي، الجنرال فلاديمير بادرينو لوبيز، يوم الأحد، عن موقف المؤسسة العسكرية الحاسم بالاعتراف بنائبة الرئيس، ديلسي رودريغيز، رئيسة مؤقتة للبلاد.
وجاء هذا الإعلان المفصلي غداة عملية عسكرية نوعية نفذتها قوات أمريكية خاصة تخللتها غارات جوية، وأسفرت عن اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو، في خطوة غير مسبوقة أثارت ردود فعل واسعة. وأوضح وزير الدفاع، خلال تلاوته لبيان رسمي متلفز، أن هذا الإجراء يأتي امتثالاً لقرار صادر عن المحكمة العليا في وقت متأخر من ليل السبت، والذي يقضي بتولي رودريغيز مقاليد السلطة التنفيذية لفترة انتقالية محددة بـ 90 يوماً، لضمان استمرار عمل مؤسسات الدولة وتجنب الفراغ الدستوري.
سياق التوتر التاريخي والعلاقات مع واشنطن
لا يمكن فصل هذا الحدث الجلل عن سياق سنوات طويلة من التوتر المتصاعد بين واشنطن وكاراكاس. ففنزويلا، التي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم، تعيش منذ سنوات تحت وطأة عقوبات اقتصادية أمريكية صارمة وأزمة سياسية واقتصادية خانقة أدت إلى تضخم مفرط وهجرة ملايين المواطنين. لطالما شككت الولايات المتحدة ودول غربية أخرى في شرعية حكومة مادورو، خاصة بعد انتخابات 2018، ودعمت المعارضة في محاولات سابقة لتغيير النظام. يمثل هذا التدخل العسكري المباشر ذروة التصعيد في العقيدة الأمريكية تجاه الملف الفنزويلي، وينقل الصراع من مرحلة الضغط الدبلوماسي والاقتصادي إلى التدخل الميداني المباشر.
الموقف العسكري ومستقبل الاستقرار
لطالما كان الجيش الفنزويلي هو اللاعب الأقوى والضامن الرئيسي لبقاء النظام السياسي في البلاد. ويُقرأ بيان الجنرال بادرينو لوبيز وسرعة اعترافه برودريغيز على أنه محاولة استراتيجية للحفاظ على تماسك القوات المسلحة ومنع حدوث انهيار أمني قد يؤدي إلى فوضى عارمة أو حرب أهلية. ورغم قبوله بالأمر الواقع الدستوري الجديد، لم يغفل وزير الدفاع التنديد الشديد بالعملية الأمريكية، مطالباً بإطلاق سراح مادورو فوراً، ومشيرًا بلهجة حادة إلى مقتل عدد من أفراد الحراسة الرئاسية "بدم بارد" خلال عملية الاعتقال، مما يعكس حالة الغضب والاحتقان داخل صفوف القيادة العسكرية.
دعوات لاستئناف الحياة وتداعيات مرتقبة
وفي خضم هذه الأحداث المتسارعة والغموض الذي يكتنف المشهد، حرص وزير الدفاع على توجيه رسالة طمأنة للداخل الفنزويلي، محاولاً احتواء أي ذعر شعبي قد ينشأ عن غارات الطيران والعملية البرية. وحث لوبيز المواطنين على عدم الانجرار وراء الفوضى واستئناف حياتهم الطبيعية، قائلاً في خطابه: "أدعو الشعب الفنزويلي إلى استئناف جميع أنشطته، الاقتصادية منها والعملية والتعليمية، خلال الأيام المقبلة".
ويرى مراقبون دوليون أن الفترة المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مستقبل فنزويلا الجيوسياسي، حيث ستتجه الأنظار إلى ردود الفعل الدولية، لا سيما من حلفاء فنزويلا الاستراتيجيين مثل روسيا والصين، وكيفية تعامل الإدارة المؤقتة بقيادة ديلسي رودريغيز مع التحديات الاقتصادية الهائلة، فضلاً عن ترتيب البيت الداخلي تمهيداً لما قد تفرزه فترة التسعين يوماً الانتقالية من انتخابات أو تغييرات سياسية جذرية.


