أعاد التغيير السياسي الدراماتيكي في فنزويلا، والمتمثل في الإطاحة بالرئيس نيكولاس مادورو، توجيه أنظار العالم نحو كاراكاس، ليس فقط كحدث سياسي، بل كزلزال محتمل في أسواق الطاقة العالمية. هذا التحول أجبر المستثمرين وكبار اللاعبين في قطاع النفط على إعادة تقييم المشهد: من يمسك بزمام أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم؟ وهل يمكن لهذه الصناعة المتهالكة أن تعود للحياة بعد عقود من التراجع؟
السياق التاريخي: من القمة إلى الانهيار
لفهم عمق الأزمة الحالية، يجب النظر إلى الوراء قليلاً. كانت فنزويلا، العضو المؤسس في منظمة "أوبك"، تنتج ما يزيد عن 3 ملايين برميل يومياً في تسعينيات القرن الماضي ومطلع الألفية. إلا أن مزيجاً من سوء الإدارة، ونقص الاستثمارات المزمن، والعقوبات الدولية الصارمة، أدى إلى تهاوي الإنتاج ليصل إلى مستويات متدنية تاريخياً، مما جعل البنية التحتية للقطاع في حالة يرثى لها.
من يسيطر فعلياً على الصناعة الآن؟
في ظل الضبابية الحالية، يبرز السؤال الأهم حول الجهة المسيطرة. يوضح آندي ليبو، رئيس شركة "ليبو أويل أسوشيتس"، المشهد قائلاً: "تسيطر شركة النفط الوطنية الفنزويلية (PDVSA) نظرياً على أغلب احتياطيات النفط ومراحل إنتاجه. لكن الواقع أكثر تعقيداً، حيث تعمل شركة (شيفرون) الأمريكية للطاقة من خلال مشاريع مشتركة حيوية، بينما تمتلك شركات روسية وصينية نفوذًا عبر شراكات استراتيجية وديون سيادية سابقة".
من جانبه، يرى شاول كافونيك، رئيس قسم أبحاث الطاقة في شركة "إم إس تي فايننشال"، أن المستقبل قد يحمل تغييراً في التحالفات. ويشير إلى أنه في حال تشكلت حكومة جديدة تميل للتعاون مع الغرب، فإن "شيفرون" ستكون الرابح الأكبر والمستعد لتوسيع دوره فوراً. كما أن شركات أوروبية عملاقة مثل "ريبسول" الإسبانية و"إيني" الإيطالية تمتلك موطئ قدم يمكنها من الاستفادة السريعة من أي انفتاح سياسي.
تأثيرات فورية ومخاوف الإمداد
على المدى القصير، حذر خبراء قطاع النفط من اضطرابات محتملة. أي فراغ في السلطة قد يعطل سلاسل التوريد الهشة أصلاً. ويضيف ليبو: "بما أنه من غير الواضح حالياً من يتولى زمام الأمور المالية والإدارية، فقد نشهد توقفاً مؤقتاً للصادرات؛ فالمشترون الدوليون يخشون التورط في تحويلات مالية لجهات غير شرعية أو خاضعة لعقوبات مفاجئة".
ورغم أن الإنتاج الحالي لفنزويلا متواضع مقارنة بحجمها التاريخي، إلا أن المخاوف تكمن في توقف التدفقات الحالية تماماً، وهو ما قد يضغط نفسياً على الأسواق، وإن قلل بعض المحللين من التأثير الفعلي المباشر على الأسعار العالمية نظراً لوفرة المعروض من مصادر أخرى.
الأهمية الاستراتيجية للخام الفنزويلي
تكمن أهمية فنزويلا الجيوسياسية والاقتصادية في نوعية نفطها. فالبلاد غنية بالنفط الخام الثقيل جداً. ورغم صعوبة استخراجه وتكريره، إلا أنه يمثل "اللقمة المفضلة" للمصافي المعقدة في ساحل الخليج الأمريكي، التي صُممت خصيصاً للتعامل مع هذا النوع من الخام. عودة هذا النفط للسوق الأمريكية قد تعني استقراراً أكبر في أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة على المدى الطويل.
ويرجح المحللون أنه في حال استقرت الأمور تحت قيادة المعارضة، مثل ماريا كورينا ماتشادو، فقد تسارع واشنطن لتخفيف العقوبات، مما يسمح بتدفق النفط المخزن وتوفير سيولة نقدية عاجلة للحكومة الجديدة.
طريق طويل نحو التعافي
رغم التفاؤل الحذر، يجمع الخبراء على أن طريق العودة لن يكون مفروشاً بالورود. صناعة النفط الفنزويلية تحتاج إلى ما يشبه "خطة مارشال" مصغرة. ويقدر مسؤولون في شركات النفط العالمية أن إعادة تأهيل الآبار والمصافي المتهالكة تتطلب استثمارات لا تقل عن 10 مليارات دولار سنوياً لعدة سنوات، بشرط توفر بيئة أمنية وتشريعية مستقرة، وهو ما قد يستغرق وقتاً طويلاً قبل أن تستعيد فنزويلا مكانتها كعملاق نفطي عالمي.


