في قرار قضائي بارز، قضت المحكمة العليا الأمريكية بأن الرئيس السابق دونالد ترامب قد تجاوز صلاحياته الدستورية عندما فرض مجموعة واسعة من الرسوم الجمركية التي أثارت اضطرابًا في التجارة العالمية. وصدر الحكم بأغلبية ستة أصوات مقابل ثلاثة، ليضع حداً لواحد من أكثر الإجراءات الاقتصادية إثارة للجدل في إدارته، ويشكل سابقة هامة فيما يتعلق بحدود السلطة الرئاسية في السياسة التجارية.
خلفية الحرب التجارية وسياسة ‘أمريكا أولاً’
جاءت هذه الرسوم في سياق سياسة “أمريكا أولاً” التي تبناها ترامب، والتي هدفت إلى حماية الصناعات المحلية وتقليص العجز التجاري للولايات المتحدة. ابتداءً من عام 2018، استخدم ترامب سلطاته بشكل غير مسبوق لفرض تعريفات جمركية على سلع بمليارات الدولارات من شركاء تجاريين رئيسيين، وعلى رأسهم الصين، بالإضافة إلى حلفاء مقربين مثل كندا والمكسيك والاتحاد الأوروبي. استندت الإدارة في تبريرها لهذه الإجراءات إلى “قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية” (IEEPA)، مدعية وجود تهديدات للأمن القومي، مثل الهجرة غير الشرعية وتدفق المخدرات، لتبرير فرض الرسوم كأداة ضغط سياسي واقتصادي.
أساس الحكم القضائي: تقييد السلطة التنفيذية
أوضح رأي الأغلبية في المحكمة أن “قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية” لا يمنح الرئيس سلطة مطلقة لفرض الرسوم الجمركية كأداة تنظيمية شاملة. وأكد القضاة أن سلطة فرض الضرائب والرسوم، بما في ذلك التعريفات الجمركية، هي من الاختصاصات الأساسية للكونغرس بموجب الدستور. وجاء في نص الحكم أنه لو كان الكونغرس ينوي منح الرئيس “سلطة استثنائية ومؤثرة” بهذا الحجم، لكان قد فعل ذلك بشكل صريح وواضح في نص القانون، وهو ما لم يحدث. وبهذا، أعاد الحكم التأكيد على مبدأ الفصل بين السلطات، مقيدًا قدرة السلطة التنفيذية على استخدام قوانين الطوارئ لتجاوز الدور التشريعي للكونغرس في مجال التجارة.
التأثيرات المتوقعة للحكم محلياً ودولياً
يحمل هذا القرار تداعيات اقتصادية وقانونية واسعة. على الصعيد المحلي، يفتح الحكم الباب أمام آلاف الشركات الأمريكية التي دفعت هذه الرسوم للمطالبة باسترداد المليارات من الدولارات، مما قد يوفر دفعة للعديد من القطاعات التي تضررت من ارتفاع تكاليف الاستيراد. كما أنه يرسخ مبدأ قانونياً سيجعل من الصعب على الإدارات المستقبلية استخدام نفس التكتيكات التجارية العدوانية دون موافقة تشريعية واضحة.
أما على الصعيد الدولي، فقد لقي القرار ترحيباً من الشركاء التجاريين للولايات المتحدة الذين اعتبروا الرسوم غير مبررة وتنتهك قواعد التجارة الحرة. ويُنظر إلى الحكم على أنه خطوة نحو استعادة الاستقرار والقدرة على التنبؤ في النظام التجاري العالمي. ورغم أن القرار لا يلغي تلقائياً جميع الرسوم التي فرضها ترامب، مثل تلك المتعلقة بالصلب والألومنيوم والتي استندت إلى قوانين أخرى، إلا أنه يمثل انتصاراً كبيراً لمؤيدي التجارة متعددة الأطراف وضربة للسياسات الحمائية.


