في خطوة استراتيجية تهدف إلى إعادة تشكيل السوق العالمية للموارد الأساسية، اقترحت الولايات المتحدة الأمريكية خطة طموحة لإنشاء “كتلة تجارية تفضيلية” للمعادن الحيوية، تعتمد على وضع أسعار مرجعية في كل مرحلة من مراحل الإنتاج لضمان قيمة سوقية عادلة ومستقرة. جاء هذا الإعلان خلال الاجتماع الوزاري الافتتاحي لـ “شراكة أمن المعادن” (MSP) الذي استضافته العاصمة واشنطن، بمشاركة رفيعة المستوى من أكثر من 50 دولة، بهدف تعزيز الجهود الدولية لتأمين وتنويع سلاسل توريد هذه الموارد التي لا غنى عنها.
السياق الجيوسياسي وأهمية المعادن الحيوية
يأتي هذا التحرك الأمريكي في ظل خلفية من التنافس الجيوسياسي المتزايد على الموارد الطبيعية. فالمعادن الحيوية، مثل الليثيوم والكوبالت والنيكل والعناصر الأرضية النادرة، تشكل العمود الفقري للتحول العالمي نحو الطاقة النظيفة والتكنولوجيا المتقدمة. فهي تدخل في صناعة بطاريات السيارات الكهربائية، وتوربينات الرياح، وأشباه الموصلات، بالإضافة إلى تطبيقاتها الحاسمة في الصناعات الدفاعية وتطوير الذكاء الاصطناعي. ولسنوات طويلة، هيمنت دول قليلة، وعلى رأسها الصين، على مراحل متعددة من سلاسل توريد هذه المعادن، بدءًا من التعدين ووصولًا إلى المعالجة والتكرير، مما منحها نفوذًا كبيرًا وشكّل مصدر قلق للدول الغربية التي تسعى لتقليل اعتمادها على المنافسين الاستراتيجيين.
تفاصيل الخطة الأمريكية وأهدافها
أوضح مسؤولون أمريكيون خلال الاجتماع أن السوق الدولية للمعادن الحيوية تعاني من تشوهات وخلل هيكلي، حيث يؤدي عدم استقرار الأسعار والممارسات التجارية غير التنافسية إلى تقويض الاستثمار في مشاريع جديدة. ولمواجهة هذا التحدي، تقترح الخطة الأمريكية إنشاء آلية ملموسة تتمثل في تكتل تجاري بين الحلفاء والشركاء، يتمتع بحماية من الاضطرابات الخارجية عبر فرض حدود سعرية دنيا قابلة للتنفيذ.
وتشمل الآلية المقترحة وضع أسعار مرجعية لكل معدن حيوي في مختلف مراحل الإنتاج، لتعكس قيمته العادلة. وستعمل هذه الأسعار كحد أدنى داخل المنطقة التجارية التفضيلية، مع إمكانية فرض تعريفات جمركية قابلة للتعديل على الواردات من خارج التكتل، وذلك لمنع إغراق الأسواق بمنتجات رخيصة تهدف إلى إخراج المنتجين المحليين من المنافسة.
التأثيرات المتوقعة على الصعيدين الإقليمي والدولي
من المتوقع أن يكون لهذه الخطة، في حال تطبيقها، تأثيرات عميقة على الاقتصاد العالمي. فعلى الصعيد الدولي، قد تؤدي إلى انقسام سوق المعادن إلى قسمين: الأول يضم الدول الأعضاء في التكتل ويتمتع بأسعار مستقرة وتشجيع للاستثمار، والثاني خارجه وقد يواجه تقلبات أكبر. وتهدف الإدارة الأمريكية من خلال هذه الاستراتيجية إلى مواءمة سياستها التجارية وتمويل التنمية مع الدبلوماسية لتحقيق هدف مشترك، وهو تنويع مصادر الإمداد العالمية وتعزيز مرونة سلاسل التوريد.
أما إقليميًا، فيُتوقع أن تحفز هذه السياسة الاستثمارات في عمليات التعدين والمعالجة في الدول الشريكة، مما يساهم في تنمية اقتصاداتها وخلق فرص عمل جديدة. وبالنسبة للولايات المتحدة، يمثل هذا التوجه جزءًا من استراتيجية أوسع لـ “إعادة توطين” و”توطين الصداقة” للصناعات الحيوية، لضمان أمنها القومي والاقتصادي على المدى الطويل.


