أعلنت وزارة الخارجية السويسرية أن مدينة جنيف ستستضيف الأسبوع المقبل جولة جديدة من المباحثات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك بضيافة ورعاية من سلطنة عُمان. يأتي هذا الإعلان ليؤكد استمرار الجهود الدبلوماسية الهادفة إلى احتواء التوترات المتصاعدة في منطقة الشرق الأوسط، والتي تتخذ من الملف النووي الإيراني والأنشطة الإقليمية لطهران محوراً رئيسياً لها.
وأكد متحدث باسم الخارجية السويسرية استعداد بلاده الدائم لتقديم “مساعيها الحميدة” لتسهيل الحوار بين الطرفين، مشيراً إلى أن “سويسرا ترحب وتدعم هذه المحادثات”. وتلعب سويسرا دوراً دبلوماسياً فريداً، حيث تمثل المصالح الأمريكية في إيران منذ قطع العلاقات الدبلوماسية بين واشنطن وطهران بعد الثورة الإسلامية عام 1979، مما يجعلها قناة اتصال موثوقة ومحايدة.
سياق تاريخي ودور الوساطة العُمانية
تأتي هذه الجولة استكمالاً لمباحثات سابقة استضافتها العاصمة العُمانية مسقط في وقت سابق من هذا الشهر. وتتمتع سلطنة عُمان بتاريخ طويل وناجح في لعب دور الوسيط المحايد والموثوق بين إيران والغرب، وعلى رأسهم الولايات المتحدة. فقد كانت مسقط هي الحاضنة للمحادثات السرية الأولية التي مهدت الطريق للتوصل إلى الاتفاق النووي التاريخي (خطة العمل الشاملة المشتركة – JCPOA) في عام 2015. ومنذ انسحاب الولايات المتحدة أحادياً من الاتفاق في عام 2018 تحت إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب، وما تلاه من إعادة فرض للعقوبات، تسعى الأطراف الدولية والإقليمية لإيجاد صيغة جديدة لتجنب انزلاق المنطقة نحو مواجهة عسكرية شاملة.
أهمية المباحثات وتأثيرها المتوقع
تكتسب هذه المباحثات أهمية استثنائية في ظل الظروف الراهنة. فعلى الصعيد الإقليمي، تتزامن المحادثات مع تصاعد التوترات في المنطقة على خلفية الحرب في غزة، والهجمات التي تشنها جماعات مدعومة من إيران في اليمن والعراق وسوريا، بالإضافة إلى التهديدات التي تواجه الملاحة الدولية في البحر الأحمر ومضيق هرمز. وتهدف هذه اللقاءات، التي توصف بأنها “غير مباشرة”، إلى وضع آليات لخفض التصعيد ومنع الاحتكاكات العسكرية التي قد تخرج عن السيطرة.
أما على الصعيد الدولي، فإن القلق الأكبر يتمحور حول تقدم البرنامج النووي الإيراني. حيث تشير تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى أن طهران رفعت مستويات تخصيب اليورانيوم إلى درجات تقربها من القدرة على إنتاج سلاح نووي. لذا، تسعى إدارة الرئيس جو بايدن من خلال هذه القنوات الدبلوماسية إلى كبح جماح البرنامج النووي مقابل تفاهمات قد تشمل تخفيفاً محدوداً لبعض العقوبات أو الإفراج عن أصول إيرانية مجمدة. إن نجاح هذه الجهود الدبلوماسية، حتى لو كان جزئياً، من شأنه أن يبعث برسالة استقرار في أسواق الطاقة العالمية ويقلل من احتمالات نشوب صراع أوسع نطاقاً قد تكون له تداعيات كارثية على الاقتصاد والأمن الدوليين.


