ترقب عالمي لقرار الفائدة الأمريكية وسط ضغوط سياسية
تتجه أنظار المستثمرين والأسواق العالمية إلى واشنطن، حيث تعقد لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية (FOMC) التابعة لمجلس الاحتياطي الفيدرالي اجتماعها الدوري، وسط توقعات واسعة النطاق بأن يبقي البنك المركزي الأقوى في العالم على أسعار الفائدة دون تغيير. يأتي هذا الاجتماع في خضم فترة اتسمت بضغوط سياسية غير مسبوقة مارسها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب على رئيس المجلس جيروم باول، مما ألقى بظلال من الشك على استقلالية المؤسسة المالية الأهم في الولايات المتحدة.
السياق التاريخي: استقلالية البنك المركزي في مواجهة السلطة التنفيذية
تاريخياً، يُعد مبدأ استقلالية البنك المركزي عن السلطة السياسية حجر الزاوية في السياسة النقدية الحديثة. تأسس هذا المبدأ على قناعة بأن إبعاد قرارات الفائدة عن الضغوط السياسية قصيرة المدى يضمن استقرار الأسعار على المدى الطويل ويحمي الاقتصاد من تقلبات الدورات الانتخابية. ولعقود طويلة، احترم الرؤساء الأمريكيون هذا العرف، وتجنبوا التعليق علناً على قرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي. إلا أن فترة رئاسة ترامب شهدت قطيعة تامة مع هذا التقليد، حيث شن هجوماً متواصلاً على باول وسياسات المجلس، واصفاً إياها بأنها “مجنونة” وتشكل أكبر تهديد للاقتصاد الأمريكي.
تفاصيل الصراع بين ترامب وباول
بلغ الصراع ذروته خلال عام 2019، حيث طالب ترامب مراراً وتكراراً عبر تغريدات ومنصات إعلامية بأن يقوم الفيدرالي بتخفيضات كبيرة وحادة في أسعار الفائدة لتحفيز النمو الاقتصادي ودعم سوق الأسهم. ورغم أن الفيدرالي أقرّ بالفعل ثلاثة تخفيضات متتالية في ذلك العام بمقدار ربع نقطة مئوية في كل مرة، ليصل النطاق المستهدف إلى 1.50% – 1.75%، إلا أن هذه التخفيضات لم تكن كافية لإرضاء الرئيس. برر باول هذه القرارات بأنها “تعديلات في منتصف الدورة” تهدف إلى التحوط ضد تباطؤ النمو العالمي والتوترات التجارية، وليس استجابة للضغوط السياسية. وقد وصلت الضغوط إلى حد التكهنات بأن ترامب يبحث عن سبل قانونية لإقالة باول من منصبه، وهو إجراء لم يسبق له مثيل ويهدد بتقويض ثقة الأسواق العالمية في الاقتصاد الأمريكي.
الأهمية والتأثيرات المحتملة للقرار
تتجاوز أهمية قرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي حدود الولايات المتحدة لتؤثر على الاقتصاد العالمي بأسره. فأسعار الفائدة الأمريكية تحدد تكلفة الاقتراض بالدولار، العملة الاحتياطية الأولى في العالم، مما يؤثر على تدفقات رأس المال العالمية، وأسعار الصرف، وقدرة الدول الناشئة على خدمة ديونها. إن أي قرار يُنظر إليه على أنه خضوع للضغوط السياسية قد يزعزع ثقة المستثمرين في الدولار ويؤدي إلى تقلبات حادة في الأسواق المالية. على الصعيد المحلي، يسعى الفيدرالي لتحقيق توازن دقيق بين هدفي التوظيف الكامل واستقرار الأسعار (مكافحة التضخم). فبينما كان الاقتصاد الأمريكي في تلك الفترة يتمتع بمعدل بطالة منخفض تاريخياً، كان التضخم لا يزال تحت السيطرة، مما منح صانعي السياسة النقدية مبرراً للتأني في قراراتهم بدلاً من الانصياع للمطالب السياسية بخفض الفائدة بشكل كبير.


