إعادة تعريف العلاقات عبر الأطلسي
في تصريح يعكس تحولاً استراتيجياً في السياسة الخارجية الأمريكية، أكدت واشنطن على رغبتها في رؤية أوروبا كشريك قوي ومستقل، وليس مجرد تابع لسياستها. هذه الرؤية، التي تم التعبير عنها في مناسبات مختلفة من قبل مسؤولين أمريكيين، تدعو الحلفاء الأوروبيين إلى التخلي عن الاعتماد التاريخي على الولايات المتحدة في القضايا الأمنية والدفاعية، والعمل على بناء قدرات ذاتية تمكنهم من مواجهة التحديات العالمية بفعالية أكبر. الرسالة واضحة: الولايات المتحدة تسعى إلى “شراكة” حقيقية مبنية على تقاسم الأعباء والمسؤوليات، بدلاً من علاقة أحادية الجانب.
خلفية تاريخية: من الحماية إلى الشراكة
تعود جذور العلاقة الخاصة بين الولايات المتحدة وأوروبا إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث لعبت واشنطن دوراً محورياً في إعادة إعمار القارة الأوروبية عبر “مشروع مارشال” وتأسيس حلف شمال الأطلسي (الناتو) عام 1949 لتوفير مظلة أمنية ضد التهديد السوفيتي. هذا السياق التاريخي رسّخ دور الولايات المتحدة كضامن رئيسي لأمن أوروبا، مما أدى إلى حالة من الاعتماد العسكري الأوروبي استمرت لعقود. ومع نهاية الحرب الباردة وظهور تحديات جيوسياسية جديدة، بدأت الأصوات تتعالى في واشنطن مطالبة الحلفاء الأوروبيين بزيادة إنفاقهم الدفاعي وتحمل المزيد من المسؤولية عن أمنهم، وهو ما يُعرف بسياسة “تقاسم الأعباء”.
الأهمية الاستراتيجية لأوروبا قوية
من منظور أمريكي، لم تعد فكرة أوروبا المعتمدة تخدم المصالح الاستراتيجية لواشنطن في عالم متعدد الأقطاب. ففي مواجهة تحديات كبرى مثل الصعود الاقتصادي والعسكري للصين، والعدوان الروسي المستمر كما يتجلى في أوكرانيا، والإرهاب الدولي، تحتاج الولايات المتحدة إلى حليف أوروبي قادر على التصرف بشكل مستقل وحاسم. إن امتلاك أوروبا لقدرات دفاعية وسياسية قوية يعني وجود شريك يمكنه تأمين جواره الإقليمي، والمساهمة بفعالية في المهام الدولية، وتنسيق السياسات الاقتصادية والعقوبات ضد الخصوم المشتركين. هذا التحول يعزز الأمن العالمي ويخفف العبء عن كاهل الولايات المتحدة، مما يسمح لها بالتركيز على أولوياتها الاستراتيجية في مناطق أخرى من العالم.
قضية نافالني: مثال على التنسيق المشترك
تُعد قضية المعارض الروسي أليكسي نافالني، الذي توفي في السجن عام 2024، مثالاً على أهمية وجود جبهة غربية موحدة. وقد أجمعت الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون الرئيسيون، مثل ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، على تحميل الكرملين المسؤولية الكاملة عن وفاته، وذلك بعد أن اتهموه سابقاً بمحاولة تسميمه بغاز الأعصاب “نوفيتشوك” عام 2020. الموقف الأمريكي كان واضحاً بأنه لا يوجد سبب للتشكيك في النتائج التي توصلت إليها التحقيقات الأوروبية، مما يعكس الثقة والتنسيق بين الشركاء عبر الأطلسي في مواجهة ما يعتبرونه انتهاكات روسية للقانون الدولي وحقوق الإنسان. هذا التناغم في المواقف يبرهن على أن الشراكة المنشودة لا تقتصر على الجانب العسكري، بل تمتد لتشمل الدفاع عن القيم الديمقراطية المشتركة.


