شهدت الخزينة الفيدرالية الأمريكية انخفاضًا ملحوظًا في عجز الميزانية خلال شهر يناير الماضي، مدفوعًا بزيادة هائلة في إيرادات الرسوم الجمركية التي وصلت إلى مستويات قياسية. ووفقًا لبيانات وزارة الخزانة، بلغت حصيلة الرسوم الجمركية 30 مليار دولار في يناير وحده، أي بمعدل يقارب مليار دولار يوميًا، مما ساهم بشكل مباشر في تخفيف الأعباء المالية على الحكومة الفيدرالية.
خلفية السياسات التجارية والرسوم الجمركية
تعود جذور هذا الارتفاع الكبير في الإيرادات إلى التحول في السياسة التجارية الأمريكية الذي بدأ في عهد إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب. ففي عام 2018، بدأت الإدارة بفرض سلسلة من الرسوم الجمركية الواسعة تحت شعار “أمريكا أولاً”، بهدف حماية الصناعات المحلية وتقليص العجز التجاري للبلاد، خاصة مع الصين. شملت هذه الإجراءات فرض رسوم بموجب المادة 301 على سلع صينية بمليارات الدولارات، بالإضافة إلى رسوم على واردات الصلب والألومنيوم من عدة دول حول العالم بموجب المادة 232. ورغم تغير الإدارة، استمر العمل بالكثير من هذه الرسوم، مما أدى إلى تدفق مستمر للإيرادات الجمركية إلى الخزينة الأمريكية.
الأرقام تتحدث: تأثير مباشر على الميزانية
أظهر تقرير وزارة الخزانة أن إجمالي إيرادات الرسوم الجمركية منذ بداية السنة المالية الحالية وصل إلى 124 مليار دولار، مسجلاً زيادة ضخمة بنسبة 304% مقارنة بالفترة المماثلة من العام السابق. هذا التدفق المالي ساهم في انخفاض عجز الميزانية لشهر يناير إلى حوالي 95 مليار دولار، بتراجع نسبته 26% عن نفس الشهر من العام الماضي. وعلى صعيد السنة المالية الكاملة حتى الآن، بلغ العجز الفيدرالي 697 مليار دولار، وهو ما يمثل انخفاضًا بنسبة 17% عن الفترة نفسها من السنة المالية السابقة.
الأهمية والتأثيرات الاقتصادية المحلية والدولية
على الصعيد المحلي، توفر هذه الإيرادات مصدر دخل إضافي للحكومة يمكن أن يساهم في تمويل الخدمات العامة أو تقليل الحاجة للاقتراض. ومع ذلك، يثير الاقتصاديون جدلاً حول من يتحمل العبء الحقيقي لهذه الرسوم، حيث تشير العديد من الدراسات إلى أن المستوردين الأمريكيين هم من يدفعونها، وغالبًا ما يتم تمرير هذه التكلفة الإضافية إلى المستهلكين على شكل أسعار أعلى للسلع. أما دوليًا، فقد أدت هذه السياسات إلى توترات تجارية وحروب رسوم متبادلة، حيث فرضت دول مثل الصين والاتحاد الأوروبي رسومًا انتقامية على البضائع الأمريكية، مما أثر على المصدرين الأمريكيين وأعاد تشكيل سلاسل التوريد العالمية. ورغم أن الهدف المعلن كان حماية الصناعة، لا يزال الجدل قائمًا حول مدى فعالية هذه الرسوم في تحقيق أهدافها طويلة الأمد مقابل التكاليف التي فرضتها على الاقتصادين المحلي والعالمي.
يأتي هذا في وقت يستمر فيه الدين العام الأمريكي في الارتفاع، حيث يبلغ حاليًا حوالي 38.6 تريليون دولار، مما يجعل تكلفة خدمة هذا الدين (فوائده) عبئًا متزايدًا على الميزانية. فقد بلغت مدفوعات الفوائد الصافية 76 مليار دولار في شهر يناير وحده، متجاوزةً بذلك معظم بنود الإنفاق الحكومي الأخرى.


