في تصعيد جديد ضمن التنافس التكنولوجي العالمي، وجهت الولايات المتحدة انتقادات حادة لسياسات الصين في قطاع صناعة أشباه الموصلات، متهمة إياها باتباع ممارسات غير منصفة للهيمنة على هذا السوق الحيوي. ودعا مكتب الممثل التجاري الأمريكي إلى اتخاذ إجراءات عقابية ضد بكين، إلا أنه أشار إلى منح مهلة زمنية تمتد لـ 18 شهرًا قبل البدء الفعلي في تطبيق رسوم جمركية جديدة، وذلك وفقًا لما أعلنته السلطات الأمريكية.
نتائج التحقيق الأمريكي والمهلة الزمنية
كشف التحقيق الذي أجراه مكتب الممثل التجاري الأمريكي أن الصين تستخدم أساليب غير عادلة وسياسات غير سوقية عدوانية وشاملة بشكل متزايد للسيطرة على قطاع الرقائق الإلكترونية. وأوضح المكتب في إشعار عام أن هذه الممارسات "غير معقولة وتثقل كاهل التجارة الأمريكية وتقيدها"، مما يستوجب ردًا قانونيًا حازمًا. وتضمن التحقيق إشارات إلى الدعم الحكومي الصيني الضخم والمستمر للجهات الفاعلة الخاصة، مما يخلق بيئة منافسة غير متكافئة.
ورغم حدة الانتقادات، قررت واشنطن إرجاء التنفيذ الفوري للعقوبات، حيث ذكر المكتب أن مستوى الرسوم الحالية البالغ صفر سيرتفع "في غضون 18 شهرًا، وتحديدًا في 23 يونيو 2027"، على أن يتم الإعلان عن النسبة المحددة قبل 30 يومًا من ذلك التاريخ. ويمنح هذا الإطار الزمني الشركات الأمريكية والعالمية فرصة لتكييف سلاسل التوريد الخاصة بها وتقليل الاعتماد على المصانع الصينية قبل دخول الرسوم حيز التنفيذ.
السياق التاريخي: صراع الهيمنة التكنولوجية
لا يعد هذا الإجراء حدثًا معزولًا، بل يأتي كحلقة جديدة في سلسلة "حرب الرقائق" المستمرة بين أكبر اقتصادين في العالم. فمنذ سنوات، تسعى الولايات المتحدة لكبح جماح التقدم التكنولوجي الصيني، خاصة في المجالات ذات الاستخدام المزدوج (المدني والعسكري) مثل الذكاء الاصطناعي والحوسبة الفائقة. وقد بدأت هذه السياسات بشكل مكثف خلال إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب الأولى، واستمرت وتوسعت في عهد الرئيس جو بايدن من خلال "قانون الرقائق والعلوم" الذي يهدف لتعزيز التصنيع المحلي، وصولًا إلى التحقيق الحالي الذي بدأ في ديسمبر 2024 وامتد مع عودة ترامب للمشهد السياسي في يناير.
غضب صيني وتحذيرات من العواقب
من جانبها، أبدت بكين معارضة شديدة لهذه الخطوة، حيث اتهمت وزارة الخارجية الصينية واشنطن باستغلال الرسوم الجمركية لـ "كبح الصناعات الصينية بشكل غير منطقي". وصرح المتحدث باسم الخارجية، لين جيان، بأن هذه السياسات لا تضر بالصين فحسب، بل تعطل استقرار سلاسل الإمداد العالمية وتعرقل تطور صناعة أشباه الموصلات في جميع الدول، بما فيها الولايات المتحدة نفسها، مطالبًا واشنطن بتصحيح مسارها.
التأثيرات الاقتصادية والجيوسياسية المتوقعة
يحمل هذا القرار تداعيات واسعة النطاق على الصعيدين الاقتصادي والسياسي:
- محليًا (في أمريكا): يهدف القرار إلى حماية الأمن القومي الأمريكي وتعزيز الاستثمارات المحلية في التكنولوجيا، لكنه قد يؤدي على المدى القصير إلى ارتفاع تكاليف الأجهزة الإلكترونية للمستهلكين إذا لم تنجح الشركات في إيجاد بدائل رخيصة.
- دوليًا: قد يؤدي هذا التوجه إلى مزيد من "تشرذم" الاقتصاد العالمي، حيث تضطر الدول والشركات الكبرى في أوروبا وآسيا إلى الاختيار بين المعسكرين التقنيين الأمريكي والصيني.
- سلاسل الإمداد: ستشهد الفترة المقبلة تسارعًا في عمليات نقل المصانع من الصين إلى دول أخرى مثل فيتنام والهند والمكسيك، في محاولة لتجنب الرسوم الجمركية المرتقبة في 2027.


