في تطور لافت يعيد رسم ملامح الأمن الأوروبي، يستعد ما يُعرف بـ “تحالف الراغبين”، الذي يضم بشكل رئيسي حلفاء أوروبيين لكييف، للإعلان عن خطوة استراتيجية كبرى تتمثل في تشكيل قوة متعددة الجنسيات لدعم أوكرانيا. وتأتي هذه الخطوة مدعومة بتعهد أمريكي صريح بتقديم الإسناد اللازم لهذه القوة في حال تعرضت أوكرانيا لهجوم روسي جديد عقب أي وقف محتمل لإطلاق النار. هذه التفاصيل وردت في مسودة إعلان صادرة عن قمة التحالف المنعقدة في العاصمة الفرنسية باريس، والتي اطلعت عليها وكالة فرانس برس.
تفاصيل القمة والضمانات الأمنية
يجتمع قادة التحالف، البالغ عددهم نحو ثلاثين قائداً، في قصر الإليزيه بباريس، بحضور مبعوثين أمريكيين رفيعي المستوى والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي. ويهدف هذا التجمع الدبلوماسي الرفيع إلى إعلان الجاهزية التامة لتقديم “ضمانات ملزمة سياسياً وقانونياً” لأوكرانيا. وبحسب النص الوارد في المسودة، فإن هذه الضمانات لن تكون مجرد وعود شفهية، بل آليات تنفيذية ستُفعّل فور دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ مع روسيا.
وجاء في الوثيقة أن “شركاء التحالف والولايات المتحدة سيؤدون دوراً حيوياً وبتنسيق وثيق لتقديم هذه الضمانات الأمنية”. والأكثر أهمية هو النص على أن الولايات المتحدة “ستشرف” على عملية وقف إطلاق النار بمشاركة فاعلة من أعضاء التحالف، مما يضفي ثقلاً دولياً وازناً على أي اتفاق تهدئة مستقبلي.
السياق الاستراتيجي والخلفية التاريخية
تأتي هذه التحركات في وقت حساس للغاية من عمر الصراع الروسي الأوكراني، حيث تبحث الدول الغربية عن صيغة أمنية مستدامة تضمن عدم تكرار السيناريوهات العسكرية السابقة. تاريخياً، عانت أوكرانيا من هشاشة الاتفاقيات السابقة مثل “اتفاقيات مينسك”، التي لم توفر رادعاً حقيقياً على الأرض. لذا، فإن التحول نحو نشر “قوة متعددة الجنسيات” يمثل تغييراً جذرياً في العقيدة الدفاعية الغربية تجاه كييف، حيث ينتقل الدعم من مجرد إمداد بالسلاح والمال إلى وجود ضامن فعلي على الأرض.
ويُعد مصطلح “تحالف الراغبين” إشارة إلى مجموعة من الدول التي تقرر التحرك خارج إطار الإجماع الكامل لحلف الناتو أحياناً، لضمان سرعة ومرونة الحركة، وهو نموذج تم استخدامه في نزاعات دولية سابقة لتجاوز العقبات البيروقراطية أو الفيتو السياسي في المنظمات الدولية.
الأبعاد الدولية وتأثير القرار
يحمل هذا الالتزام الأمريكي الأوروبي دلالات جيوسياسية عميقة؛ فهو يرسل رسالة واضحة إلى موسكو بأن أي خرق لوقف إطلاق النار المستقبلي سيواجه برد فعل دولي منسق، وليس أوكرانياً فقط. إن وجود الولايات المتحدة كطرف “مشرف” وداعم للقوة الأوروبية يعزز من مصداقية الردع، نظراً للقدرات العسكرية واللوجستية والاستخباراتية الهائلة التي تمتلكها واشنطن.
على الصعيد الإقليمي، يساهم هذا التوجه في طمأنة دول الجناح الشرقي لأوروبا (مثل بولندا ودول البلطيق) بأن الغرب ملتزم بأمن القارة ولن يترك أوكرانيا كمنطقة رمادية. كما يمهد هذا الإعلان الطريق لمرحلة إعادة الإعمار، حيث لا يمكن جذب الاستثمارات الضخمة لإعادة بناء أوكرانيا دون وجود مظلة أمنية صلبة تضمن استقرار الأوضاع السياسية والعسكرية.


