مبادرة استراتيجية لحفظ الذاكرة الثقافية
في خطوة مهمة نحو صون الهوية الثقافية العربية، استضاف كرسي اليونسكو بمركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية ورشة عمل متخصصة لمناقشة مشروع كتاب بعنوان «ترجمة الثقافات والتقاليد الشفوية». تأتي هذه الفعالية، التي أقيمت بدعم من هيئة الأدب والنشر والترجمة، كجزء من جهد أكاديمي منظم يهدف إلى حفظ التراث غير المادي العربي وتوثيقه وفق أعلى المعايير العلمية، وضمان نقله للأجيال القادمة.
السياق العالمي وأهمية التراث غير المادي
يُعد التراث الثقافي غير المادي، بحسب تعريف منظمة اليونسكو، الممارسات والتعبيرات والمعارف والمهارات التي تعتبرها المجتمعات جزءاً من تراثها الثقافي. ويشمل هذا التراث التقاليد الشفوية، وفنون الأداء، والممارسات الاجتماعية، والطقوس، والمعارف المتعلقة بالطبيعة. ويمثل الحفاظ على هذا الإرث تحدياً عالمياً، حيث إنه تراث حي يتناقله الأفراد والجماعات عبر الأجيال، وهو ما يجعله عرضة للاندثار في ظل التحولات الاجتماعية والتكنولوجية السريعة. وتأتي هذه الورشة استجابة مباشرة لدعوات اليونسكو لتوثيق ودراسة هذه الكنوز الثقافية لضمان استمراريتها.
أهمية الحدث وتأثيره المتوقع
تكتسب هذه المبادرة أهمية خاصة على عدة مستويات. فعلى الصعيد المحلي، تتماشى هذه الجهود مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 التي تولي اهتماماً كبيراً للحفاظ على التراث الوطني وتعزيز الهوية الثقافية السعودية. أما إقليمياً، فإن المشروع يضع المملكة في طليعة الدول العربية الساعية لإنشاء مرجعية أكاديمية لدراسة التراث الشفوي، ويفتح آفاقاً للتعاون بين الباحثين العرب. دولياً، يساهم الكتاب المرتقب في إثراء الحوار العالمي حول الفولكلور والتقاليد الشفوية، مقدماً وجهات نظر من العالم العربي ودول الجنوب العالمي التي غالباً ما تكون غائبة عن الخطاب الأكاديمي السائد.
تفاصيل الورشة وحوارات معمقة
جمعت الورشة، التي امتدت على مدار يومين، نخبة من الباحثين والمساهمين في تحرير الكتاب، حيث أتاحت لهم منصة تفاعلية لتقديم أوراقهم العلمية ومناقشتها بعمق قبل اعتمادها للنشر النهائي. وشهدت الجلسات، التي أدارتها كل من الدكتورة منيرة الغدير، رئيسة كرسي اليونسكو، والباحثة نوف المطلق، تبادلاً معرفياً متعدد التخصصات، حيث تم التركيز على معالجة التحديات النظرية والعملية المرتبطة بتوثيق وترجمة التقاليد الشفوية. وتعمق المشاركون في الموضوعات المحورية للكتاب، مستندين إلى وجهات نظر ثقافية متنوعة تعكس ثراء التراث غير المادي وأبعاده الإنسانية العميقة.
رؤية مستقبلية لترجمة الثقافات
تندرج هذه الخطوة ضمن الرؤية الاستراتيجية لكرسي اليونسكو لعام 2025، والتي تركز بشكل أساسي على موضوع «ترجمة الثقافات والتراث غير المادي». ويسعى الكتاب إلى إعادة تموضع الترجمة كعنصر محوري في الخطاب العالمي حول التراث الشفوي، متجاوزاً النظرة التقليدية نحو استكشاف نظري أعمق للأشكال التعبيرية الفريدة لهذا الإرث. ومن خلال هذه اللقاءات العلمية، يتم صقل الوعي النقدي لدى الباحثين وإبراز الدقة الأدائية والثراء المعرفي الذي يشكل جوهر الثقافات الشفوية في المنطقة والعالم.


