تتجه أنظار المجتمع الدولي اليوم نحو أروقة الأمم المتحدة، حيث يصوت مجلس الأمن الدولي على مشروع قرار بالغ الأهمية قدمته مملكة البحرين. يهدف هذا القرار إلى إجازة استخدام القوة “الدفاعية” لضمان أمن الملاحة و حماية مضيق هرمز من الهجمات الإيرانية المتكررة. تأتي هذه الخطوة الحاسمة بعد أن فرضت طهران حصاراً على هذا الممر المائي الحيوي، كرد فعل على الضربات الأمريكية والإسرائيلية الأخيرة، مما أشعل فتيل التوترات وأنذر باندلاع حرب واسعة في الشرق الأوسط قد تزعزع استقرار الاقتصاد العالمي.
الأهمية الاستراتيجية: لماذا تُعد حماية مضيق هرمز أولوية قصوى؟
لا يمكن التقليل من شأن هذا الممر المائي، فقبل التهديدات الأخيرة، كان يمر عبره حوالي خُمس إنتاج العالم من النفط والغاز الطبيعي المسال. إن أي تعطيل لحركة الملاحة هنا لا يؤثر فقط على الدول الإقليمية، بل يمتد تأثيره ليضرب عصب الاقتصاد الدولي. انقطاع الإمدادات العالمية من السلع الحيوية مثل النفط والغاز والأسمدة يؤدي حتماً إلى ارتفاعات حادة ومفاجئة في أسعار الطاقة، مما يثقل كاهل الدول المستهلكة ويهدد بركود اقتصادي عالمي. لذلك، أصبحت مسألة تأمين هذا المضيق تتصدر أجندة القوى الكبرى للحفاظ على استقرار الأسواق.
تحذيرات من خنق الملاحة وإرهاب اقتصادي
في هذا السياق، أطلق المندوب الدائم لمملكة البحرين لدى الأمم المتحدة، السفير جمال الرويعي، تحذيرات شديدة اللهجة هذا الأسبوع. وأكد أن استمرار هذا الوضع الراهن يمثل “خنقاً وإرهاباً اقتصادياً” لا يقتصر ضرره على دول المنطقة فحسب، بل يمتد ليشمل العالم أجمع. وأشار إلى أن النص المطروح للتصويت، والذي خضع لتعديلات مكثفة ويحظى بدعم من الولايات المتحدة، يأتي في توقيت حساس ومهم للغاية.
من جهة أخرى، وفي موقف يعكس تحولاً في السياسة الأمريكية تجاه حلفائها، دعا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الدول التي تعاني من نقص في إمدادات الوقود إلى تحمل مسؤولية حماية سفنها والذهاب للحصول على نفطها بنفسها، مشدداً على أن القوات الأمريكية لن تتولى هذه المهمة نيابة عنهم.
تفاصيل التحالفات البحرية والوسائل الدفاعية
تتضمن المسودة السادسة والأخيرة من مشروع القرار بنوداً تجيز للدول الأعضاء، سواء بشكل فردي أو من خلال “شراكات بحرية طوعية متعددة الجنسيات”، استخدام “كل الوسائل الدفاعية اللازمة والمتناسبة مع الظروف” لضمان سلامة السفن التجارية. وينطبق هذا التفويض على المضيق والمياه المجاورة له، بهدف تأمين عبور الترانزيت وردع أي محاولات لإغلاق أو عرقلة أو التدخل بأي شكل من الأشكال في الملاحة الدولية. ومن المفترض أن يستمر العمل بهذا الإجراء الاستثنائي لمدة ستة أشهر على الأقل.
السياق التاريخي لقرارات استخدام القوة في مجلس الأمن
تاريخياً، تُعد قرارات مجلس الأمن التي تخول الدول الأعضاء استخدام القوة العسكرية نادرة نسبياً وتتطلب توافقاً دولياً كبيراً. بالعودة إلى السجلات التاريخية، نجد أن المجلس سمح في عام 1990 لتحالف دولي بقيادة الولايات المتحدة بالتدخل العسكري في العراق عقب غزو الكويت. وفي عام 2011، صدر قرار مماثل أجاز تدخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) في ليبيا. كما أن منطقة الخليج العربي شهدت في ثمانينيات القرن الماضي ما عُرف بـ “حرب الناقلات”، مما يؤكد أن تأمين الممرات المائية كان دائماً نقطة اشتعال تتطلب تدخلاً دولياً حازماً لمنع انهيار الأمن الإقليمي.
انقسام دولي ومخاوف من الانزلاق نحو تصعيد شامل
رغم الحاجة الملحة لتأمين الملاحة، إلا أن مشروع القرار لا يلقى إجماعاً دولياً. فقد حذرت الصين داخل أروقة مجلس الأمن من أن السماح للدول الأعضاء باستخدام كل التدابير اللازمة في الظروف الراهنة قد يؤدي إلى “تصعيد إضافي” خطير. بالتوازي مع ذلك، نددت روسيا بالنص المقترح ووصفته بأنه “متحيز”، مما يلوح باحتمالية استخدام حق النقض (الفيتو).
وفي القارة الأوروبية، اعتبر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن فكرة شن عملية عسكرية واسعة لـ “تحرير” المضيق الاستراتيجي هي فكرة “غير واقعية”، محذراً من أن هذا النهج سيتطلب وقتاً طويلاً وسيعرض كل من يعبر المضيق لتهديدات مباشرة. وأكد السفير الفرنسي لدى الأمم المتحدة، جيروم بونافون، أن المجلس مطالب بوضع “رد دفاعي سريع”.
وفي قراءة تحليلية للمشهد، أوضح دانيال فورتي، المحلل في مجموعة الأزمات الدولية، أنه في ظل التهديد بالفيتو الروسي والصيني، فإن تمرير النص يواجه عقبات كبرى. وأضاف أنه من الصعب تخيل دعم هذه الدول لقرار يعالج استقرار المضيق كمعضلة أمنية عسكرية بحتة، متجاهلاً الحاجة الماسة للتوصل إلى تسوية سياسية ودبلوماسية شاملة تضع حداً نهائياً للأعمال العدائية في المنطقة.


