في تطور لافت للأوضاع المأساوية في غرب السودان، كشفت منسقة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، دينيس براون، عن تفاصيل مروعة عقب زيارتها لمدينة الفاشر، واصفة الحالة التي يعيشها المدنيون هناك بأنها "صدمة" حقيقية، وسط ظروف معيشية مهينة تفتقر لأدنى مقومات الحياة الآدمية.
مشاهدات من قلب "مسرح الجريمة"
تمكنت بعثة مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) من دخول الفاشر يوم الجمعة الماضي، في سابقة هي الأولى من نوعها منذ سيطرة قوات الدعم السريع على المدينة قبل شهرين. وجاءت هذه الزيارة بعد ما وصفته براون بـ"مفاوضات شاقة" ومعقدة لضمان الوصول الآمن.
وفي حديثها لوكالة فرانس برس، رسمت المسؤولة الأممية صورة قاتمة للوضع، مؤكدة أن أجزاء واسعة من المدينة قد دُمرت بالكامل، مما حول الفاشر التي كانت تعج بالحياة ويقطنها نحو مليون نسمة إلى "مدينة أشباح" و"مسرح جريمة". وأشارت إلى أن المدنيين العالقين يعيشون في مبانٍ مهجورة أو تحت أغطية بلاستيكية، بلا مياه نظيفة أو وسائل صرف صحي، في مشهد يجسد قمة الهشاشة الإنسانية.
السياق الاستراتيجي وسقوط المعقل الأخير
تكتسب هذه الزيارة أهميتها من المكانة الاستراتيجية لمدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، التي كانت تُعد آخر معقل للجيش السوداني في إقليم دارفور الشاسع قبل سقوطها في نهاية أكتوبر الماضي. وجاءت سيطرة قوات الدعم السريع عليها بعد حصار خانق استمر لمدة 18 شهراً، تخلله قتال عنيف أدى إلى تغيير موازين القوى في الإقليم، حيث باتت قوات الدعم السريع تسيطر الآن على ما يقارب ثلث مساحة السودان.
ويعود الصراع في السودان إلى منتصف أبريل 2023، حين اندلعت المعارك بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، مما أدخل البلاد في دوامة من العنف لم تتوقف حتى الآن، مخلفةً آلاف القتلى وملايين النازحين واللاجئين.
تداعيات إنسانية ومخاوف إقليمية
لا تقتصر مأساة الفاشر على الدمار العمراني فحسب، بل تمتد لتشمل كارثة إنسانية متفاقمة تهدد استقرار المنطقة بأسرها. فقد أدى الهجوم الأخير والحصار الطويل إلى نزوح أكثر من 107 آلاف شخص، وفقاً لتقديرات الأمم المتحدة، وسط تقارير متواترة عن انتهاكات جسيمة شملت القتل والعنف الجنسي والاعتقالات التعسفية.
ويرى مراقبون أن الوضع في الفاشر يمثل "بؤرة للمعاناة الإنسانية"، حيث يهدد انعدام الأمن الغذائي وتفشي الأمراض حياة الآلاف، خاصة في ظل صعوبة وصول المساعدات الإغاثية. وتثير هذه التطورات مخاوف المجتمع الدولي ودول الجوار من موجات لجوء جديدة قد تضغط على الحدود، لا سيما مع دولة تشاد المجاورة، مما يستدعي تدخلاً دولياً عاجلاً لإنقاذ ما يمكن إنقاذه ووقف تدهور الأوضاع الإنسانية في الإقليم المنكوب.


