في خطوة تعكس حجم التحديات التي تواجه الجهود الدولية، أطلق مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، نداءً عاجلاً للمجتمع الدولي لتوفير مبلغ 400 مليون دولار أمريكي لتمويل عمليات المفوضية خلال عام 2026. وحذر تورك من أن منظومة حقوق الإنسان العالمية تواجه أزمة حقيقية بسبب النقص الحاد في التمويل، مما يهدد قدرتها على الاستجابة للانتهاكات المتزايدة حول العالم.
وأوضح المفوض السامي أن التخفيضات الكبيرة في الموارد المالية خلال عام 2025 قد أدت بالفعل إلى عواقب وخيمة، شملت تقليص بعثات الرصد والمراقبة الحيوية وإغلاق برامج أساسية في 17 دولة كانت في أمس الحاجة إليها. وشدد على أن هذا الوضع لا يمكن أن يستمر، داعياً إلى دعم مالي “عاجل ومرن” لضمان استمرارية عمل المفوضية في حماية الكرامة الإنسانية والدفاع عن الحقوق الأساسية للجميع.
السياق التاريخي ودور المفوضية السامية
تأسست المفوضية السامية لحقوق الإنسان (OHCHR) بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1993، لتكون الجهة المحورية في المنظمة الدولية المسؤولة عن تعزيز وحماية جميع حقوق الإنسان المنصوص عليها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والقانون الدولي. تعمل المفوضية على الأرض من خلال مكاتبها الإقليمية والقطرية، وتتولى مهاماً حيوية تشمل رصد أوضاع حقوق الإنسان، وتقديم الدعم الفني للدول لتعزيز أنظمتها القضائية والتشريعية، وحماية المدافعين عن حقوق الإنسان، والعمل كصوت للضحايا في المحافل الدولية.
أهمية النداء وتأثيره المتوقع
لا يقتصر تأثير هذا النداء المالي على استمرارية العمليات الإدارية للمفوضية، بل يمتد ليؤثر بشكل مباشر على حياة الملايين حول العالم. فالأموال المطلوبة مخصصة لتمويل برامج حيوية مثل:
- دعم ضحايا النزاعات: توفير الحماية والمساعدة القانونية والنفسية للناجين من العنف والتعذيب والتمييز في مناطق الصراع.
- مراقبة الانتخابات: ضمان نزاهة العمليات الديمقراطية وحماية الحقوق السياسية والمدنية.
- مكافحة الإفلات من العقاب: دعم التحقيقات الدولية في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية لضمان محاسبة الجناة.
- حماية الفضاء المدني: مساندة الصحفيين والنشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان الذين يواجهون تهديدات متزايدة.
إن الفشل في تأمين هذا التمويل لن يعني فقط تقليص البرامج، بل سيترجم إلى تراجع في قدرة المجتمع الدولي على مواجهة الاستبداد، وحماية الأقليات، ومنع تفجر الأزمات. وفي عالم يشهد تصاعداً في النزاعات وتراجعاً ديمقراطياً وتحديات مناخية تؤثر على الحقوق الأساسية، يصبح دعم منظومة حقوق الإنسان استثماراً ضرورياً في السلام والأمن والتنمية المستدامة على الصعيدين الإقليمي والدولي.


