في ظل تصاعد حدة العمليات العسكرية وتغير خريطة السيطرة الميدانية، أصدرت السلطات الأوكرانية، يوم الجمعة، أوامر عاجلة بإجلاء أكثر من ثلاثة آلاف طفل مع عائلاتهم من حوالي 40 قرية وبلدة تقع في منطقتي زابوريجيا ودنيبروبتروفسك. ويأتي هذا القرار الصعب استجابةً للتقدم الذي حققته القوات الروسية في هذه المحاور خلال الأشهر القليلة الماضية، مما جعل حياة المدنيين في تلك المناطق تحت تهديد مباشر ومستمر.
تفاصيل قرار الإجلاء والوضع الأمني
أوضح وزير إعادة الإعمار الأوكراني، أوليكسي كوليبا، عبر حسابه الرسمي على تطبيق “تلغرام”، أن الوضع الأمني المتدهور استدعى اتخاذ إجراءات حاسمة. وقال كوليبا: “نظراً إلى الوضع الأمني الصعب، تقرر إجلاء أكثر من ثلاثة آلاف طفل وذويهم قسرياً من 44 قرية تقع على الخطوط الأمامية في منطقتي زابوريجيا ودنيبروبتروفسك”. وأشار الوزير إلى أن هذه الإجراءات ليست الأولى من نوعها في الآونة الأخيرة، حيث شهدت منطقة تشيرنيهيف في شمال أوكرانيا عمليات مماثلة في الأيام الأخيرة من شهر ديسمبر، مما يعكس اتساع رقعة الخطر لتشمل جبهات متعددة.
تحول استراتيجي في مسار المعارك
يعتبر هذا الإعلان مؤشراً خطيراً على التحولات الاستراتيجية في الحرب الروسية الأوكرانية. فبينما تركزت معظم عمليات الإجلاء القسري للمدنيين خلال السنوات الأخيرة في منطقة دونيتسك الشرقية (إقليم دونباس)، التي كانت المسرح الرئيسي للمعارك الأكثر ضراوة، فإن امتداد الحاجة للإجلاء إلى دنيبروبتروفسك وزابوريجيا يشير إلى نجاح القوات الروسية في فتح ثغرات جديدة أو الضغط على محاور كانت تعتبر أكثر استقراراً نسبياً.
وتكتسب منطقة دنيبروبتروفسك أهمية خاصة، حيث تعد مركزاً لوجستياً وصناعياً حيوياً لوسط أوكرانيا. ويشير دخول القوات الروسية إلى أطراف هذه المنطقة في صيف عام 2025، بالإضافة إلى تحريك خطوط التماس في زابوريجيا التي ظلت ثابتة لسنوات، إلى مرحلة جديدة من الصراع قد تهدد عمق الأراضي الأوكرانية.
التكلفة الإنسانية وحصيلة النزوح
تلقي هذه التطورات بظلالها الثقيلة على الوضع الإنساني في البلاد. ووفقاً للإحصائيات الرسمية التي كشف عنها الوزير كوليبا، فإن إجمالي عدد الأشخاص الذين تم إجلاؤهم من مناطق الجبهة المشتعلة إلى مناطق أخرى أكثر أماناً منذ الأول من يونيو 2025 قد بلغ 150 ألف شخص. ومن بين هؤلاء النازحين، يوجد نحو 18 ألف طفل، مما يبرز حجم المعاناة التي تتكبدها الأسر الأوكرانية ومستقبل الجيل الناشئ في ظل استمرار الحرب.
وتسعى الحكومة الأوكرانية من خلال عمليات “الإجلاء القسري” إلى استباق الكوارث الإنسانية، حيث يصبح البقاء في القرى الحدودية شبه مستحيل مع انقطاع الخدمات الأساسية والقصف المدفعي والجوي المستمر، مما يجعل خيار الرحيل، رغم قسوته، هو الخيار الوحيد للنجاة.


