تصاعد التوتر بين المملكة المتحدة وروسيا
في خطوة تعكس عمق التوتر في العلاقات الثنائية، أعلنت المملكة المتحدة سحب اعتماد دبلوماسي روسي، رداً على ما وصفته بقرار موسكو “غير المبرر” بطرد دبلوماسي بريطاني الشهر الماضي. وأكدت وزارة الخارجية في لندن، في بيان لها يوم الاثنين، أنها لن تقف مكتوفة الأيدي أمام ما اعتبرته “ترهيباً” لموظفي سفارتها ومحاولات روسية مستمرة لعرقلة عمل بعثاتها الدبلوماسية. وقد تم استدعاء السفير الروسي لإبلاغه بالقرار البريطاني والتحذير من أن أي تحرك إضافي من جانب موسكو سيُعتبر تصعيداً وسيتم الرد عليه بالمثل.
خلفية تاريخية من انعدام الثقة
لا يمكن فهم هذا الإجراء الأخير بمعزل عن السياق التاريخي الطويل من العلاقات المتوترة بين لندن وموسكو، والتي شابتها اتهامات بالتجسس والتدخل منذ حقبة الحرب الباردة. وشهدت السنوات الأخيرة تدهوراً حاداً، لا سيما بعد حادثة تسميم العميل المزدوج السابق سيرغي سكريبال وابنته يوليا في مدينة سالزبري عام 2018 باستخدام غاز الأعصاب “نوفيتشوك”، وهو هجوم ألقت بريطانيا باللوم فيه على الاستخبارات العسكرية الروسية. أدت تلك الحادثة إلى أكبر عملية طرد متبادل للدبلوماسيين منذ الحرب الباردة. وقبل ذلك، كانت قضية اغتيال المعارض الروسي ألكسندر ليتفينينكو في لندن عام 2006 باستخدام مادة البولونيوم المشعة قد ألقت بظلالها القاتمة على العلاقات لعقد من الزمان.
تأثير حرب أوكرانيا على العلاقات الدبلوماسية
جاء الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في فبراير 2022 ليدفع العلاقات البريطانية الروسية إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق. فمنذ بداية الصراع، برزت المملكة المتحدة كواحدة من أبرز الداعمين لأوكرانيا، حيث قدمت مساعدات عسكرية ومالية وإنسانية ضخمة، وفرضت عقوبات صارمة على الكرملين والكيانات الروسية. هذا الموقف البريطاني الراسخ جعلها هدفاً رئيسياً للخطاب العدائي الروسي. وبالتالي، يُنظر إلى الإجراءات الدبلوماسية الأخيرة، مثل طرد المبعوث البريطاني غاريث سامويل ديفيز بتهمة الانتماء للاستخبارات البريطانية، على أنها جزء من استراتيجية روسية أوسع للضغط على الدول الداعمة لكييف وردعها عن مواصلة دعمها.
الأهمية والتداعيات المحتملة
على الرغم من أن عمليات الطرد الدبلوماسي المتبادل تعد أداة شائعة في الخلافات الدولية، إلا أن توقيتها في ظل الحرب الدائرة في أوكرانيا يمنحها وزناً أكبر. يمثل هذا التصعيد تقليصاً إضافياً لقنوات الاتصال الدبلوماسي المحدودة أصلاً بين البلدين، وهي قنوات ضرورية لإدارة الأزمات وتجنب سوء التقدير الذي قد يؤدي إلى عواقب وخيمة. كما يبعث برسالة واضحة إلى المجتمع الدولي بأن الانقسام بين روسيا والدول الغربية الكبرى يزداد عمقاً، مع احتمالية انتقال التوتر من الساحة الدبلوماسية إلى مجالات أخرى مثل الأمن السيبراني والعقوبات الاقتصادية. ويراقب الحلفاء الغربيون هذا التطور عن كثب، حيث يعتبر مؤشراً على استعداد موسكو لزيادة حدة المواجهة مع الدول التي تقف في صف أوكرانيا.


