بعد سنوات من الانقسام والتوتر الذي أعقب استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست)، تظهر اليوم مؤشرات قوية على تحول استراتيجي في العلاقة بين لندن وبروكسل. ففي ظل عالم يزداد اضطراباً وتحديات جيوسياسية متصاعدة، أكد قادة من كلا الجانبين على ضرورة تجاوز خلافات الماضي وتوحيد الصفوف لبناء مستقبل أكثر أمناً وترابطاً.
خلفية تاريخية: من الاستفتاء إلى الواقع الجديد
في 23 يونيو 2016، صوتت المملكة المتحدة في استفتاء تاريخي لصالح مغادرة الاتحاد الأوروبي، وهي خطوة أصبحت واقعاً في 31 يناير 2020. أدت هذه العملية، المعروفة بـ “بريكست”، إلى فترة طويلة من المفاوضات المعقدة والصعبة، تمحورت حول قضايا التجارة، والحدود، وحقوق المواطنين. ورغم التوصل إلى اتفاقية التجارة والتعاون (TCA) لتنظيم العلاقة المستقبلية، إلا أن السنوات الأولى بعد الخروج شهدت احتكاكات اقتصادية وسياسية، أبرزها الخلافات حول بروتوكول أيرلندا الشمالية والتحديات التي واجهتها الشركات البريطانية في الوصول إلى السوق الأوروبية الموحدة.
دعوات لتعاون أوثق في عالم متغير
في مؤتمر ميونيخ للأمن، وهو منصة دولية بارزة، بدت نبرة الخطاب مختلفة تماماً. فقد دعت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لايين، إلى تعاون أوثق بين الطرفين. وقالت: “إن أوروبا وبريطانيا بحاجة إلى التعاون بشكل أوثق بشأن الأمن، والاقتصاد، والدفاع عن ديمقراطياتنا”. وأضافت أنه على الرغم من مرور سنوات على بريكست، “ينبغي على أوروبا وخصوصا المملكة المتحدة، أن يتقاربا أكثر”، لافتة إلى أن “مستقبلنا أكثر ترابطاً من أي وقت مضى”.
من جانبه، أدلى رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، بتصريحات مماثلة تعكس رؤية مشتركة. وقال ستارمر: “لسنا عند مفترق طرق: الطريق أمامنا مستقيم وواضح. يجب أن نبني قوتنا الصلبة، لأنها عملة العصر”. وشدد على ضرورة “بناء قاعدة صناعية مشتركة في جميع أنحاء أوروبا يمكنها أن تعزز إنتاجنا الدفاعي” و”تضاعف نقاط قوتنا” لمواجهة أي عدوان محتمل.
الأهمية والتأثير المتوقع: الأمن أولاً
يأتي هذا التقارب في وقت حاسم على الساحة الدولية. فالغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022 كان بمثابة جرس إنذار للقارة الأوروبية بأكملها، حيث أبرز الحاجة الماسة إلى تكتل أمني ودفاعي قوي. لقد أظهرت الأزمة أن أمن بريطانيا وأمن أوروبا القارية مرتبطان ارتباطاً وثيقاً، مما دفع الجانبين إلى تعزيز تعاونهما في إطار حلف شمال الأطلسي (الناتو) وتقديم دعم عسكري واقتصادي منسق لأوكرانيا.
هذه الرؤية المشتركة للأمن الأوروبي عبر عنها الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، مارك روته، بقوله إن “وجود أوروبا قوية في ناتو قوي يعني أن الرابطة عبر الأطلسي ستكون أقوى من أي وقت مضى”. كما أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن “هذا هو الوقت المناسب لأوروبا قوية” تعمل على “بناء هيكلها الأمني الخاص”. وبالتالي، فإن توثيق العلاقات بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي لا يخدم مصالحهما الثنائية فحسب، بل يعزز أيضاً الاستقرار الإقليمي والدولي في مواجهة التهديدات المشتركة.


