في تطور اقتصادي مفاجئ، تواجه المملكة المتحدة، أحد أقرب حلفاء واشنطن، خسائر اقتصادية فادحة بعد قرار قضائي أمريكي بإلغاء نظام التعريفات الجمركية التفضيلية الذي فرضته إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب. هذا القرار لا يضع بريطانيا في موقف صعب فحسب، بل يسلط الضوء على نتيجة غير متوقعة للحرب التجارية التي بدأتها واشنطن، حيث تبرز الصين والبرازيل كأكبر المستفيدين من هذا التغيير.
خلفية تاريخية: سياسة “أمريكا أولاً” والرسوم الجمركية
بدأت القصة في عام 2018 عندما فرضت إدارة ترامب، تحت شعار “أمريكا أولاً”، رسومًا جمركية صارمة على واردات الصلب والألومنيوم بموجب المادة 232 من قانون التوسع التجاري لعام 1962، بحجة حماية الأمن القومي. أثارت هذه الخطوة حينها توترات تجارية عالمية، حيث طالت الرسوم دولًا حليفة للولايات المتحدة في أوروبا وآسيا. وفي محاولة لتخفيف الأثر، دخلت عدة دول، بما فيها بريطانيا، في مفاوضات مع واشنطن أدت إلى إبرام اتفاقيات خاصة منحتها معاملة تفضيلية، حيث حصلت بريطانيا على نسبة رسوم مخفضة بلغت 10%، مما أعطى صادراتها ميزة تنافسية في السوق الأمريكية مقارنة بالدول التي لم تحصل على استثناءات.
تداعيات القرار القضائي: بريطانيا أكبر المتضررين
أدى قرار المحكمة العليا الأمريكية الأخير إلى إلغاء هذا النظام المعقد من الاستثناءات والاتفاقيات الثنائية، وإعادة تطبيق رسوم موحدة على جميع الدول. ووفقًا للتحليلات، سترتفع الرسوم الجمركية المطبقة على الصادرات البريطانية إلى 15%، مما يلغي الميزة التفضيلية التي كانت تتمتع بها. هذا التحول يعني أن الشركات البريطانية ستواجه الآن تكاليف أعلى، مما يضعف قدرتها على المنافسة في أحد أكبر أسواقها.
ووفقًا لتقديرات مجلس الغرف التجارية البريطانية، من المتوقع أن ترفع هذه الزيادة تكلفة الصادرات البريطانية إلى الولايات المتحدة بنحو 3 مليارات جنيه إسترليني (ما يعادل 4 مليارات دولار)، وهو ما سيؤثر سلبًا على ما يقرب من 40 ألف شركة بريطانية تعتمد على التجارة مع أمريكا. ويؤكد سام لوي، خبير التجارة في شركة “فلينت جلوبال” الاستشارية، أن حالة “عدم اليقين” التي خلقها هذا القرار تمثل تحديًا كبيرًا للشركات التي بنت خططها على أساس الرسوم التفضيلية.
الصين والبرازيل: الرابحون من حرب الحلفاء
المفارقة الكبرى تكمن في أن الدول التي كانت مستهدفة بشكل مباشر من سياسات ترامب التجارية، مثل الصين، هي التي ستستفيد الآن. فمع توحيد الرسوم الجمركية، تفقد الدول الحليفة ميزتها التنافسية، مما يجعل منتجات دول مثل الصين والبرازيل والهند أكثر جاذبية نسبيًا.
وكشفت دراسة صادرة عن هيئة “المبادرة العالمية للتجارة” أن البرازيل تتصدر قائمة الدول المستفيدة، حيث ستشهد أكبر انخفاض في متوسط الرسوم الجمركية المطبقة عليها بواقع 13.6 نقطة مئوية، تليها الصين بانخفاض يصل إلى 7.1 نقطة مئوية. هذا يعني أن منتجات هذه الدول ستواجه عوائق جمركية أقل مقارنة بمنافسيها من أوروبا، مما يعزز حصتها في السوق الأمريكية على حساب حلفاء واشنطن التقليديين.
جهود دبلوماسية ومستقبل غامض
في مواجهة هذه الخسائر المحتملة، تكثف الحكومة البريطانية جهودها الدبلوماسية لإقناع الإدارة الأمريكية الحالية باستثناء المملكة المتحدة من الرسوم الأعلى. وصرحت وزيرة التعليم بريدجيت فيليبسون لشبكة “سكاي نيوز” بأن محادثات تجري “على أعلى المستويات” لضمان حماية المصالح الوطنية البريطانية. ومع ذلك، يبقى المشهد الاقتصادي محفوفًا بالغموض، حيث يوضح هذا التطور كيف يمكن للسياسات الحمائية أن تأتي بنتائج عكسية، فتضر بالحلفاء وتمنح أفضلية للمنافسين الاستراتيجيين.


