شهدت الأسواق المالية العالمية حالة من الاضطراب الشديد، اليوم الإثنين، حيث هوى الدولار الأمريكي بشكل حاد وتراجعت العقود الآجلة للأسهم الأمريكية، وذلك في أعقاب تصريحات نارية لرئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، جيروم باول. وكشف باول أن إدارة الرئيس دونالد ترامب وجهت له تهديدات مباشرة بتوجيه اتهامات جناية، في خطوة غير مسبوقة أثارت فزع المستثمرين ومخاوف جدية بشأن مستقبل استقلالية البنك المركزي الأمريكي.
ارتباك واسع في الأسواق المالية
كرد فعل فوري على تصاعد حدة الخلاف بين البيت الأبيض والفيدرالي، انخفضت العقود الآجلة لمؤشر "ستاندرد آند بورز 500" بنسبة 0.5%، مما يعكس حالة عدم اليقين التي تسيطر على وول ستريت. وكان الدولار الأمريكي هو الضحية الأكبر لهذه الأزمة، حيث سجل مؤشر الدولار انخفاضاً بنسبة 0.3%، متجهاً نحو تسجيل أكبر خسارة يومية له منذ منتصف ديسمبر الماضي.
وامتدت الخسائر لتشمل تراجع العملة الخضراء حتى أمام العملات الحساسة للمخاطر مثل الدولار الأسترالي والنيوزيلندي. وفي المقابل، استفادت الملاذات الآمنة التقليدية، حيث ارتفع الفرنك السويسري بنسبة 0.4% ليصل إلى 0.7979 مقابل الدولار، وصعد اليورو بنسبة 0.17% مسجلاً 1.1656 دولار.
الذهب يكسر الحواجز التاريخية والنفط يتماسك
في ظل البحث عن الأمان، حقق الذهب قفزة تاريخية غير مسبوقة، متجاوزاً حاجز 4600 دولار للأوقية للمرة الأولى في التاريخ. ويعزو المحللون هذا الصعود الصاروخي إلى رغبة المستثمرين في التحوط ضد التقلبات السياسية والاقتصادية الناجمة عن مزاعم التدخل الحكومي في السياسة النقدية.
وعلى صعيد الطاقة، حافظت أسعار النفط على مكاسبها مدعومة بالتوترات الجيوسياسية، حيث استقرت العقود الآجلة لخام برنت عند 62.90 دولار للبرميل. وتلعب تهديدات ترامب بالتدخل في إيران، بالتزامن مع الاحتجاجات الشعبية في طهران، دوراً محورياً في تعزيز علاوة المخاطر في أسواق الطاقة للعام المقبل.
خلفية الصراع: استقلالية الفيدرالي على المحك
فجّر جيروم باول المفاجأة يوم الأحد بالكشف عن تلقيه مذكرات استدعاء أمام هيئة محلفين كبرى، مشيراً إلى أن إدارة ترامب تستخدم قضية شهادته السابقة أمام الكونجرس حول تجديد مبنى الفيدرالي كـ "ذريعة" للضغط عليه. ويرى باول أن الهدف الحقيقي وراء هذه التحركات هو إجبار البنك المركزي على خفض أسعار الفائدة لخدمة أجندة سياسية، وهو ما يتعارض مع مبادئ البنك القائمة على البيانات الاقتصادية البحتة.
هذا الصراع ليس وليد اللحظة، بل يعود بجذوره إلى عام 2018، وهي السنوات الأولى لتولي باول رئاسة المجلس. ولطالما انتقد ترامب سياسات الفيدرالي المتشددة، مطالباً بتيسير نقدي لدعم الأسواق، إلا أن تحول الصراع إلى تهديدات قانونية يمثل تصعيداً خطيراً يهدد مصداقية النظام المالي الأمريكي.
التداعيات الاقتصادية المتوقعة
يحذر الخبراء الاقتصاديون من أن المساس باستقلالية الاحتياطي الفيدرالي قد تكون له عواقب وخيمة تتجاوز الحدود الأمريكية. فاهتزاز الثقة في الدولار كعملة احتياط عالمية قد يؤدي إلى موجات تضخمية ويقلل من جاذبية الأصول الأمريكية. كما أن استمرار هذا النزاع قد يخلق حالة من الضبابية تعيق قرارات الاستثمار الكبرى، مما يلقي بظلاله القاتمة على معدلات النمو الاقتصادي العالمي في الفترة المقبلة.


