أعاد الرئيس الأمريكي السابق والمرشح الجمهوري دونالد ترامب إحياء جدل جيوسياسي قديم، معرباً عن ثقته بأن القادة الأوروبيين لن يبدوا مقاومة تذكر لمحاولاته الاستحواذ على جزيرة جرينلاند. وفي تصريحات أدلى بها لمراسل صحفي في ولاية فلوريدا، قلل ترامب من شأن المعارضة الأوروبية المحتملة لخططه، قائلاً بلهجة حازمة: “لا أعتقد أنهم سيتصدّون بشدة. يجب أن نحصل عليها. يجب أن يتم هذا الأمر”.
ولم تتوقف تصريحات ترامب عند الجانب الاقتصادي أو العقاري للصفقة، بل ربطها بشكل مباشر بالأمن القومي العالمي. ففي رسالة موجهة إلى رئيس الوزراء النرويجي يوناس غار ستور، اعتبر ترامب أن “العالم غير آمن” طالما أن الولايات المتحدة لا تفرض سيطرتها الكاملة على الجزيرة القطبية الاستراتيجية. كما تضمنت الرسالة عتاباً لاذعاً حول عدم منحه جائزة نوبل للسلام، حيث كتب: “بما أن بلادكم قررت عدم منحي جائزة نوبل للسلام بعدما أوقفت أكثر من ثماني حروب، لم أعد أشعر بأنني ملزم بالعمل فقط من أجل السلام”.
خلفية تاريخية: ليست المحاولة الأولى
إن اهتمام الولايات المتحدة بشراء جرينلاند ليس وليد اللحظة ولا يقتصر على حقبة ترامب. يعود هذا الطموح الأمريكي إلى عام 1946، حين عرض الرئيس هاري ترومان على الدنمارك مبلغ 100 مليون دولار من الذهب مقابل الجزيرة، لكن العرض قوبل بالرفض. وقبل ذلك، في عام 1867، بحثت وزارة الخارجية الأمريكية إمكانية الشراء تزامناً مع شراء ألاسكا. وقد أثار ترامب هذا الملف لأول مرة خلال فترة رئاسته في عام 2019، مما تسبب في أزمة دبلوماسية عابرة مع الدنمارك، حيث وصفت رئيسة الوزراء الدنماركية ميت فريدريكسن الفكرة حينها بأنها “سخيفة”، مؤكدة أن “جرينلاند ليست للبيع”.
الأهمية الاستراتيجية والجيوسياسية
تكتسب جرينلاند أهمية استراتيجية قصوى تتجاوز مساحتها الجليدية الشاسعة. فهي تقع في موقع حيوي بين القطب الشمالي والمحيط الأطلسي، وتضم قاعدة “ثول” الجوية الأمريكية (Thule Air Base)، التي تعد حجر الزاوية في نظام الإنذار المبكر الصاروخي للولايات المتحدة وحلف الناتو. ومع ذوبان الجليد في القطب الشمالي، تفتح ممرات ملاحية جديدة وتزداد إمكانية الوصول إلى ثروات طبيعية هائلة.
ويرى المحللون أن إصرار ترامب ينبع من رغبة واشنطن في قطع الطريق على النفوذ الصيني والروسي المتنامي في المنطقة القطبية. حيث تحتوي الجزيرة على احتياطيات ضخمة من المعادن الأرضية النادرة الضرورية للصناعات التكنولوجية والعسكرية، وهو ما يجعل السيطرة عليها مسألة أمن قومي أمريكي لتقليل الاعتماد على الموارد الصينية.
تأثيرات محتملة على العلاقات عبر الأطلسي
من المتوقع أن تثير هذه التصريحات توتراً جديداً في العلاقات الأوروبية الأمريكية إذا ما عاد ترامب إلى السلطة. فبينما ينظر ترامب للأمر كصفقة عقارية استراتيجية كبرى، تنظر الدنمارك والاتحاد الأوروبي إلى جرينلاند كإقليم يتمتع بالحكم الذاتي وله سيادته الخاصة وشعبه الذي يقرر مصيره، مما يضع مفهوم “السيادة الوطنية” في مواجهة مباشرة مع “المصالح الأمنية” للقوى العظمى.


