أعلنت تايلاند وكمبوديا، في خطوة حاسمة لإنهاء أسابيع من التوتر العسكري المتصاعد، عن توصلهما إلى اتفاق مشترك يقضي بوقف فوري وشامل لإطلاق النار. يأتي هذا الاتفاق بعد سلسلة من الاشتباكات الحدودية العنيفة التي أسفرت عن خسائر بشرية ومادية جسيمة، مما أثار قلق المجتمع الدولي ودفع نحو تحركات دبلوماسية مكثفة لاحتواء الأزمة.
تفاصيل الاتفاق والجدول الزمني
بحسب البيان المشترك الذي وقعه وزيرا الدفاع في البلدين عند نقطة حدودية على الجانب التايلاندي، فإن وقف إطلاق النار سيدخل حيز التنفيذ رسمياً اعتباراً من الساعة 12:00 ظهراً (05:00 بتوقيت غرينتش) يوم 27 ديسمبر 2025. وينص الاتفاق بشكل صريح على الوقف الفوري لكافة العمليات العسكرية، بما في ذلك استخدام المدفعية الثقيلة، والدبابات، والطائرات المقاتلة، والطائرات المسيّرة التي لعبت دوراً بارزاً في التصعيد الأخير.
وتضمن الاتفاق بنوداً تفصيلية تهدف لبناء الثقة، أبرزها تجميد كافة تحركات القوات العسكرية، والتعاون المشترك في مجالات إزالة الألغام ومكافحة الجرائم الإلكترونية. كما تعهدت تايلاند بإعادة 18 جندياً كمبودياً تم أسرهم خلال المعارك، وذلك في غضون 72 ساعة من سريان الاتفاق.
الكلفة الإنسانية والدمار
كشفت الإحصاءات الرسمية عن حجم الكارثة الإنسانية التي خلفها النزاع الذي استمر لثلاثة أسابيع، حيث قُتل ما لا يقل عن 47 شخصاً. إلا أن المأساة الأكبر تمثلت في نزوح أكثر من مليون شخص من سكان المناطق الحدودية، الذين اضطروا لترك منازلهم هرباً من القصف العشوائي الذي طال البنية التحتية والأهداف المدنية في جميع المحافظات الحدودية تقريباً.
وينص الاتفاق الجديد على السماح لهؤلاء النازحين بالعودة الآمنة إلى ديارهم في أسرع وقت ممكن، مع ضمانات بعدم استهداف المدنيين أو ممتلكاتهم مستقبلاً.
خلفية النزاع والسياق الإقليمي
لا يعد هذا التوتر وليد اللحظة، فالحدود بين تايلاند وكمبوديا لطالما كانت نقطة ساخنة تاريخياً، حيث شهدت المنطقة نزاعات سابقة، أشهرها النزاع حول معبد “بريه فيهار” الذي تصاعدت حدته بين عامي 2008 و2011. وتعود جذور هذه الخلافات غالباً إلى تباين الخرائط المعتمدة منذ الحقبة الاستعمارية الفرنسية.
ويكتسب هذا الاتفاق أهمية استراتيجية كبرى لمنطقة جنوب شرق آسيا (آسيان)، حيث يخشى المراقبون من أن يؤدي استمرار النزاع إلى زعزعة الاستقرار الإقليمي والإضرار بالنمو الاقتصادي في المنطقة. وقد أشار التقرير إلى انهيار هدنة سابقة كان قد نسبها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لنفسه، مما زاد من تعقيد المشهد قبل التوصل للاتفاق الحالي.
ردود الفعل الدولية
لاقى الاتفاق ترحيباً دولياً واسعاً، حيث وصف وزير الدفاع التايلاندي ناتافون ناركفانيت الهدنة بأنها “باب لحل سلمي”، مشيراً إلى أن الأيام الثلاثة الأولى ستكون فترة اختبار حاسمة لجدية الطرفين.
من جانبه، رحب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بالخطوة، معتبراً إياها ضرورية لتخفيف معاناة المدنيين وخلق بيئة مواتية لسلام دائم. كما دعا الاتحاد الأوروبي والمفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك إلى تنفيذ الاتفاق بحسن نية، مشددين على ضرورة توفير المساعدة اللازمة للمتضررين لضمان عودتهم سالمين.


