أطلقت الأمم المتحدة تحذيرات شديدة اللهجة في تقريرها الأخير، مشيرة إلى أن أي محاولات أو تهديدات تؤدي إلى إغلاق مضيق هرمز لن تقتصر تداعياتها على أسواق الطاقة والنفط فحسب، بل ستمتد لتشمل ارتفاعاً غير مسبوق في أسعار الغذاء والأسمدة الزراعية. هذا السيناريو المقلق يضع الاقتصاد العالمي أمام تحديات جسيمة، حيث يُتوقع أن يُلحق أضراراً بالغة بالدول النامية والفقيرة التي تعتمد بشكل كبير على الواردات لتأمين احتياجاتها الأساسية.
الأهمية الاستراتيجية والتاريخية وتداعيات إغلاق مضيق هرمز
يُعد مضيق هرمز واحداً من أهم الممرات المائية الاستراتيجية في العالم، حيث يربط بين الخليج العربي وخليج عُمان وبحر العرب. تاريخياً، شكل هذا المضيق شرياناً حيوياً للتجارة العالمية، ولطالما كان نقطة اختناق جيوسياسية تتأثر بالتوترات الإقليمية. يمر عبر هذا الممر المائي الضيق ما يقرب من 20% من إجمالي استهلاك النفط العالمي والغاز الطبيعي المسال المنقول بحراً، وهو ما يعادل حوالي 97% من صادرات الطاقة الإقليمية. لذلك، فإن مجرد التلويح بمسألة إغلاق مضيق هرمز يثير ذعراً في الأسواق العالمية، نظراً لعدم وجود بدائل عملية كافية لتعويض هذا الحجم الهائل من الإمدادات اليومية، مما يجعل استقرار هذا الممر ضرورة للأمن الاقتصادي العالمي.
التأثيرات الإقليمية والدولية لأزمة سلاسل التوريد
أكد تحليل حديث أجرته منظمة التجارة والتنمية التابعة للأمم المتحدة (الأونكتاد) أن التأثير المباشر لارتفاع تكاليف الطاقة والأسمدة والنقل، بالإضافة إلى القفزة في أسعار الشحن وأقساط التأمين البحري، سيزيد حتماً من أسعار السلع الغذائية. هذا الوضع سيفاقم ضغوط غلاء المعيشة، لا سيما على الفئات الأكثر ضعفاً في المجتمعات. وقد قارن التقرير الأممي صدمة سلاسل التوريد المحتملة الناجمة عن تعطل الملاحة في المضيق بأحداث عالمية كبرى سابقة، مثل جائحة كوفيد-19 وتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، والتي تركت ندوباً عميقة وتأثيراً واسع النطاق على أفقر دول العالم.
تداعيات اقتصادية خطيرة على الدول النامية والفقيرة
منذ بدء التوترات والعمليات العسكرية الأخيرة، لوحظ انخفاض ملموس في حركة المرور التجاري عبر المضيق. ومع استمرار ارتفاع تكاليف الطاقة والأسمدة، تصبح الاقتصادات النامية أكثر عرضة لصدمات الأسعار، خاصة في ظل أعباء ديونها المرتفعة وتكاليف الاقتراض المتزايدة. وقد حذر التقرير من تفاقم أزمة الحصول على الأسمدة الزراعية بالنسبة لبعض أفقر البلدان، بما في ذلك السودان، والصومال، وتنزانيا، وموزمبيق، وهي دول تعتمد بشكل شبه كلي على استيراد الأسمدة عبر الخليج العربي. كما تمتد المخاطر لتشمل دولاً مثل باكستان وسريلانكا وكينيا، في حين تستورد أستراليا ونيوزيلندا حوالي 30% من احتياجاتهما من الأسمدة من نفس المنطقة. وبحسب الإحصاءات، فقد مر ما يقارب ثلث تجارة الأسمدة العالمية المنقولة بحراً، أي حوالي 16 مليون طن، عبر هذا الممر الحيوي خلال عام 2024.
أسواق الطاقة العالمية في مواجهة تقلبات حادة
لم تقتصر التداعيات على الغذاء، بل امتدت لتضرب أسواق الطاقة بقوة. فقد تسببت الاضطرابات والمخاوف الأمنية في ارتفاع ملحوظ في أسعار النفط، حيث تجاوز سعر خام برنت حاجز 100 دولار للبرميل في فترات التوتر القصوى، قبل أن يشهد بعض الانخفاض بعد تصريحات سياسية، منها إشارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب إلى احتمالية قرب انتهاء الصراعات العسكرية. ومع ذلك، يظل الاقتصاد العالمي في حالة ترقب وحذر، حيث أن أي تصعيد مستقبلي قد يعيد خلط الأوراق ويؤدي إلى موجة تضخمية جديدة تضرب الأسواق المحلية والعالمية على حد سواء.


