لجنة قضائية للتحقيق في خرق توجيهات الرئيس
أمر الرئيس الجنوب إفريقي سيريل رامابوزا، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، بفتح تحقيق قضائي رفيع المستوى بشأن المشاركة المثيرة للجدل للبحرية الإيرانية في مناورات عسكرية مشتركة قبالة سواحل البلاد. ويأتي هذا القرار في أعقاب تقارير تفيد بأن مشاركة إيران تمت خلافًا لتوجيهات رئاسية صريحة، مما يثير تساؤلات جدية حول سلسلة القيادة داخل المؤسسة العسكرية والتوجه الاستراتيجي للسياسة الخارجية لبريتوريا.
وأعلنت الرئاسة في بيان رسمي عن تشكيل لجنة تحقيق مستقلة مكونة من ثلاثة قضاة، مهمتها كشف ملابسات “مخالفة تعليمات الرئيس بعدم مشاركة بحرية الجمهورية الإسلامية الإيرانية في مناورة ‘إرادة السلام 2026’ التي قادتها الصين وجرت في مياه جنوب إفريقيا”. وقد تم منح اللجنة مهلة شهر واحد لتقديم تقريرها النهائي، الذي سيحدد الظروف المحيطة بالحادثة، والأشخاص المسؤولين عن عدم الامتثال للأمر الرئاسي، والتوصية بالإجراءات اللازمة.
السياق الجيوسياسي: مناورات “موسي” وتوازن جنوب إفريقيا الدقيق
تأتي هذه المناورات في سياق سلسلة من التدريبات البحرية المشتركة التي تُعرف باسم “موسي”، والتي تجمع بانتظام بين جنوب إفريقيا وروسيا والصين. تهدف هذه التدريبات إلى تعزيز التعاون البحري والأمني بين الدول الأعضاء في تجمع “بريكس” وحلفائها، وتُعتبر رسالة واضحة عن تزايد التنسيق العسكري بين هذه القوى في مواجهة الهيمنة الغربية. إلا أن إدراج إيران، الدولة الخاضعة لعقوبات دولية واسعة، يضيف بعدًا جديدًا من التعقيد والتحدي.
تتبع جنوب إفريقيا منذ نهاية حقبة الفصل العنصري سياسة خارجية قائمة على عدم الانحياز، محاولةً الحفاظ على علاقات متوازنة مع كل من القوى الغربية، التي تعد شريكًا اقتصاديًا رئيسيًا، والقوى الصاعدة في الشرق مثل الصين وروسيا. هذا الحادث يضع سياسة التوازن الدقيقة التي تنتهجها بريتوريا تحت ضغط شديد، حيث يُنظر إلى الخطوة على أنها انحياز أوضح لمحور موسكو-بكين-طهران.
الأهمية والتأثيرات المحتملة: توترات داخلية ودولية
على الصعيد المحلي، يكشف التحقيق عن وجود خلافات محتملة بين الحكومة المدنية والمؤسسة العسكرية حول قضايا السياسة الخارجية الحساسة. إن تجاهل توجيهات القائد الأعلى للقوات المسلحة يمثل سابقة خطيرة يمكن أن تؤثر على الاستقرار السياسي وصورة الدولة. أما على الصعيد الدولي، فقد أثارت مشاركة إيران استياءً كبيرًا لدى الولايات المتحدة والشركاء الغربيين، الذين وصفوا الخطوة بأنها “غير مقبولة”. يأتي هذا في وقت تتصاعد فيه التوترات بالفعل بين جنوب إفريقيا والغرب بسبب موقفها المحايد من الحرب في أوكرانيا. يمكن أن يؤدي هذا الحادث إلى تدهور إضافي في العلاقات الدبلوماسية وقد تكون له تداعيات اقتصادية، حيث هدد مشرعون أمريكيون في السابق بمراجعة العلاقات التجارية مع جنوب إفريقيا. إن نتائج التحقيق لن تحدد فقط المسؤولية الداخلية، بل سترسم أيضًا ملامح مستقبل السياسة الخارجية لجنوب إفريقيا في عالم يزداد استقطابًا.

