كشف المهندس ماجد أبو زاهرة، رئيس الجمعية الفلكية بجدة، أن فصل الشتاء في الوطن العربي يُعد المسرح المثالي لرصد واحدة من أكثر الظواهر البصرية سحراً في الغلاف الجوي، وهي "هالة الشمس". هذه الظاهرة الطبيعية تظهر كحلقة دائرية مضيئة تحيط بقرص الشمس، مانحة قبة السماء مشهداً استثنائياً يجذب أنظار المراقبين وهواة الفلك.
آلية التشكل والفيزياء الجوية
أوضح أبو زاهرة أن الهالة الشمسية، التي يبلغ نصف قطرها الزاوي 22 درجة، ليست ظاهرة فضائية بالمعنى الحرفي، بل هي ظاهرة "جوية بصرية". تتشكل هذه الهالة نتيجة تفاعل أشعة الشمس مع بلورات الجليد العالقة في السحب الرقيقة (السحب السمحاقية) الموجودة في طبقات الجو العليا. ورغم أن درجات الحرارة على سطح الأرض قد تكون معتدلة أو دافئة، إلا أن الارتفاعات الشاهقة التي تتراوح بين 6 إلى 13 كيلومتراً تشهد درجات حرارة متجمدة، مما يسمح بتكون هذه البلورات.
وتعمل هذه البلورات الجليدية، التي تتخذ غالباً شكلاً سداسياً يشبه أقلام الرصاص، عمل المناشير الزجاجية الدقيقة. فعندما يعبر ضوء الشمس خلالها، ينكسر وينحرف عن مساره، وقد يتحلل إلى ألوان الطيف، مما ينتج عنه تشكيل الحلقة المضيئة حول الشمس.
الدلالات المناخية والموروث الشعبي
تكتسب هذه الظاهرة أهمية تتجاوز جمالها البصري؛ ففي الموروث الشعبي وعند المزارعين والبحارة قديماً، كان ظهور هالة الشمس أو القمر يُعتبر إشارة مبكرة لتغير حالة الطقس. علمياً، هذا الربط دقيق إلى حد كبير، حيث أن السحب السمحاقية الطبقية التي تسبب الهالة غالباً ما تسبق الجبهات الهوائية الدافئة التي قد تجلب معها الأمطار أو العواصف خلال 24 إلى 48 ساعة، مما يجعل الهالة بمثابة نظام إنذار مبكر طبيعي في علم الأرصاد الجوية.
ألوان الطيف وظواهر مشابهة
أشار رئيس فلكية جدة إلى أن الهالة تتميز بتدرج لوني خافت، حيث تميل الحافة الداخلية للحلقة إلى اللون الأحمر، بينما تتلاشى الألوان تدريجياً نحو الخارج. كما تبدو السماء داخل الحلقة أغمق قليلاً مقارنة بخارجها، بسبب انكسار الضوء بعيداً عن مركز الهالة.
وفي سياق متصل، تطرق أبو زاهرة إلى ظواهر أخرى ترتبط ببرودة الطقس، مثل "غبار الألماس"، وهي بلورات جليدية تتشكل بالقرب من سطح الأرض في ظروف البرودة الشديدة، وتصنع هالات حول مصادر الضوء الصناعية مثل أعمدة الإنارة. كما ميز بين الهالة الجليدية وظواهر أخرى تعتمد على قطرات الماء، مثل قوس قزح والإكليل الضوئي الذي ينتج عن حيود الضوء.
تحذيرات هامة للرصد الآمن
اختتم المهندس ماجد أبو زاهرة حديثه بتنبيهات صارمة تتعلق بسلامة العين، مؤكداً أن جمال الظاهرة لا ينفي خطورة التحديق المباشر في الشمس. وشدد على ضرورة حجب قرص الشمس خلف حافة مبنى أو جسم معتم أثناء الرصد، محذراً من النظر عبر عدسات الكاميرات أو المناظير دون فلاتر شمسية معتمدة، لتجنب الأضرار الجسيمة التي قد تلحق بشبكية العين.


