مقدمة: صعود اقتصاد المؤثرين والمخاطر الخفية
في العقد الأخير، شهد العالم تحولاً جذرياً في مفاهيم الشهرة والثروة مع بزوغ فجر “اقتصاد المؤثرين”. لم تعد الشهرة حكراً على نجوم السينما أو الرياضة، بل أصبحت منصات التواصل الاجتماعي مصنعاً لنجوم جدد يبنون إمبراطورياتهم المالية من خلال المحتوى الرقمي والإعلانات. وفي المملكة العربية السعودية، كما هو الحال في العديد من دول المنطقة، تحول هؤلاء المؤثرون إلى قوة اقتصادية وإعلانية هائلة، تتداول الملايين وتؤثر في قرارات الشراء لدى ملايين المتابعين. لكن خلف بريق هذه الحياة الرقمية، تتوارى تساؤلات عميقة حول مصداقية الأرقام المتداولة، ومصادر هذه الثروات الطائلة، والغياب الرقابي الذي قد يفتح الباب أمام ممارسات مالية مشبوهة مثل غسيل الأموال والتستر التجاري.
وهم الأرقام: حين لا تكون الشهرة معياراً للنجاح
يكشف استطلاع للرأي العام عن وجود حالة من الشك المتزايد تجاه الأرقام الفلكية التي تُنسب إلى دخول المشاهير. يرى مواطنون كُثر أن هذه الأرقام غالباً ما تكون مبالغاً فيها لأغراض تسويقية بحتة، بهدف رفع القيمة الإعلانية للمؤثر أمام الشركات. ويؤكد عبدالرحمن رمال أن “النجاح الحقيقي لا يُقاس بالأرقام، بل بالمحتوى المفيد”، محذراً من أن الثروة السريعة قد تصنع قدوة خاطئة للشباب. وتشاركه الرأي ليالي عسكر التي ترى أن المجتمع يعيش في “وهم صنعته الأرقام”، وأن هذا التزييف يمثل خداعاً للجمهور، خاصة فئة المراهقين الأكثر تأثراً. وتجمع الآراء على أن المصداقية والشفافية هما حجر الأساس في علاقة المؤثر بجمهوره، وأن تضخيم الدخل لجذب المتابعين ما هو إلا “غش وخداع”، كما تصفه غالية الحرازي.
التأثير الاجتماعي والنفسي: ضغوط على الشباب وثقافة الاستهلاك المظهري
يحذر خبراء علم الاجتماع وعلم النفس من التداعيات العميقة لهذه الظاهرة. يوضح المختص الاجتماعي جعفر العيد أن الاهتمام الجماهيري بدخل المشاهير ينبع من اعتبار الثروة مقياساً للنجاح، مما يثير فضول الجمهور ويدفعه للمقارنة. ويحذر من أن تضخيم الدخل “يساهم في خلق توقعات غير واقعية لدى الشباب حول سبل تحقيق النجاح”، ويعزز “ثقافة الاستهلاك المظهري”، مما يولد ضغوطاً نفسية ومادية. من جانبه، يشير البروفيسور محمد القحطاني إلى أن دافع “المقارنة الاجتماعية” هو محرك رئيسي لهذا الاهتمام، والذي قد يقود الشباب للشعور بالإحباط عند إدراك صعوبة تحقيق تلك النجاحات الوهمية. كما يحذر الأخصائي النفسي فيصل العجيان من الأعباء النفسية التي يعانيها المؤثرون أنفسهم، نتيجة السعي الدؤوب للحفاظ على صورة مثالية، مما قد يؤدي إلى القلق المزمن والاحتراق النفسي.
فراغ تشريعي ومخاطر اقتصادية: هل أصبحت ثروات المشاهير بوابة للجرائم المالية؟
على الصعيد القانوني، يؤكد مختصون أن غياب الشفافية في أنشطة المشاهير المالية يمثل تحدياً كبيراً. يوضح المحامي سليمان الجميعي أنه “لا يوجد في النظام السعودي نص خاص يُلزم المشاهير بالإفصاح العلني عن دخلهم” إلا في سياقات محددة كالضرائب أو القضايا الأسرية. هذا الفراغ يفتح الباب أمام احتمالية التضليل التجاري، أو ما هو أخطر، كجرائم غسل الأموال والتستر التجاري. وتتفق معه المستشارة القانونية ندى الخاير، التي تشير إلى أن المبالغة في حجم الثروة قد تشكل “نوعًا من التضليل التجاري أو الاحتيال إذا استُخدم لتحقيق مكاسب غير مشروعة”. ويجمع الخبراء على الحاجة الماسة لتحديث التشريعات لتواكب طبيعة الاقتصاد الرقمي، وفرض آليات رقابية تضمن الشفافية وتحمي المستهلك وتغلق الباب أمام أي أنشطة مالية غير مشروعة.
توصيات اجتماعية:
- تعزيز التفكير النقدي لدى النشء عبر المناهج التعليمية والإعلام التوعوي.
- توجيه الإعلام لصناعة محتوى واقعي ومتوازن بعيدًا عن تضخيم الثروات.
- دعوة المشاهير للتحلي بالشفافية وتحمل مسؤولياتهم الأخلاقية تجاه جمهورهم.
- تحفيز الشباب على اختيار قدوات إيجابية من التاريخ والدين والمجتمع.
- ربط مفاهيم النجاح بمعايير جوهرية مثل الإنجاز والأثر المجتمعي لا الثروة فقط.
توصيات قانونية:
- سن تشريعات ملزمة بالإفصاح عن دخل المؤثرين في الإعلانات التجارية.
- تطوير نظام رقابي رقمي لرصد المحتوى الإعلاني والمداخيل المرتبطة به.
- إنشاء هيئة مستقلة لمراقبة أنشطة المؤثرين المالية والإعلانية.
- تعزيز التعاون بين الجهات الرقابية (هيئة الإعلام، هيئة الزكاة والضريبة) والجهات القضائية.
- فرض غرامات صارمة في حالات التضليل المالي أو الإعلانات المضللة.


