سجلت سنغافورة إنجازاً صحياً وبيئياً لافتاً مع نهاية عام 2025، حيث انخفضت حالات الإصابة بحمى الضنك إلى أدنى مستوياتها منذ سبع سنوات، مما يعكس نجاح الاستراتيجيات الوطنية المتبعة في مكافحة هذا الوباء المستوطن في المناطق الاستوائية.
ووفقاً للبيانات الرسمية التي أصدرتها وكالة البيئة الوطنية السنغافورية (NEA)، تم تسجيل حوالي 3990 حالة إصابة فقط بحمى الضنك حتى 26 ديسمبر 2025، مع تسجيل 4 حالات وفاة. ويمثل هذا الرقم انخفاضاً هائلاً بنسبة تصل إلى 70% مقارنة بالعام السابق 2024، الذي شهد تسجيل 13651 حالة. وتُعد هذه الإحصائية هي الأقل منذ عام 2018، الذي سُجلت فيه 3282 حالة، مما يشير إلى تحول جذري في مسار السيطرة على المرض.
مشروع ولبانشيا: سلاح سنغافورة البيولوجي
عزت الوكالة الوطنية للبيئة هذا الانخفاض الملحوظ بشكل جزئي إلى نجاح “مشروع ولبانشيا” (Project Wolbachia). وتعتمد هذه المبادرة العلمية المبتكرة على إطلاق ذكور بعوض “أيديس إيجيبتي” (الزاعجة المصرية) تم تربيتها مخبرياً وحقنها ببكتيريا “ولبانشيا”. هذه البكتيريا غير ضارة بالبشر، ولكن عند تزاوج الذكور الحاملين لها مع إناث البعوض البرية، فإن البيض الناتج لا يفقس، مما يؤدي بمرور الوقت إلى تقليص أعداد البعوض الناقل للمرض بشكل كبير دون الحاجة للإفراط في استخدام المبيدات الكيميائية.
السياق البيئي والتحديات المناخية
تكتسب هذه النتائج أهمية خاصة بالنظر إلى الموقع الجغرافي لسنغافورة؛ فباعتبارها دولة استوائية ذات مناخ حار ورطب طوال العام، تُعد بيئة مثالية لتكاثر البعوض. تاريخياً، واجهت سنغافورة موجات تفشي دورية لحمى الضنك، خاصة مع ظاهرة الاحتباس الحراري التي تزيد من نشاط البعوض وتسريع دورة حياته. لذا، فإن نجاح سنغافورة في خفض الأعداد في ظل هذه التحديات المناخية العالمية يُعد نموذجاً يحتذى به للدول الأخرى التي تعاني من الأمراض المنقولة بالنواقل.
الأهمية الإقليمية والدولية
على الصعيد الدولي، يراقب مسؤولو الصحة العامة التجربة السنغافورية باهتمام بالغ. ففي الوقت الذي تحذر فيه منظمة الصحة العالمية من تزايد انتشار حمى الضنك في مناطق جديدة حول العالم بما في ذلك أجزاء من أوروبا والأمريكيتين، تقدم سنغافورة دليلاً عملياً على فعالية التكنولوجيا الحيوية والرقابة البيئية الصارمة. لا يقتصر تأثير هذا الانخفاض على الجانب الصحي فحسب، بل يمتد ليشمل الجانب الاقتصادي من خلال تقليل العبء على النظام الصحي، وحماية قطاع السياحة الذي يعد ركيزة أساسية للاقتصاد السنغافوري، مما يعزز مكانتها كواحدة من أكثر الوجهات أماناً صحياً في آسيا.


