شهدت أسعار الفضة تقلبات حادة في الأسواق العالمية خلال الفترة الأخيرة، حيث لامس المعدن الأبيض مستويات قياسية لم يشهدها منذ سنوات، متجاوزًا حاجز 30 دولارًا للأوقية، قبل أن يشهد تراجعًا وتصحيحًا في الأسعار. هذه الحركة السعرية الدراماتيكية وضعت المستثمرين والمحللين في حالة من الانقسام الحاد بين فريق متفائل يرى أن الأسس القوية للسوق تدعم مزيدًا من الصعود، وفريق متشائم يحذر من أن ما يحدث ليس إلا فقاعة مضاربية مصيرها الانفجار.
خلفية تاريخية: الفضة بين الصناعة والاستثمار
تتمتع الفضة بمكانة فريدة في عالم السلع، فهي تجمع بين خصائص المعدن الثمين، الذي يُستخدم كملاذ آمن ومخزن للقيمة على غرار الذهب، وبين كونه معدنًا صناعيًا لا غنى عنه في العديد من التطبيقات التكنولوجية المتقدمة. تاريخيًا، شهدت أسعار الفضة تقلبات عنيفة، أبرزها الارتفاع الكبير في عام 1980 بسبب محاولة الأخوين هانت احتكار السوق، والقفزة التي وصلت به إلى ما يقارب 50 دولارًا للأوقية في عام 2011. هذه الخلفية التاريخية تظهر أن الفضة بطبيعتها أصل متقلب، وأن الارتفاعات الصاروخية غالبًا ما يتبعها تصحيحات حادة، وهو ما يغذي مخاوف الفريق المتشائم اليوم.
السيناريو المتشائم: هل انطفأ بريق الفضة؟
يقود وجهة النظر المتشائمة محللون بارزون، مثل ماركو كولانوفيتش، كبير الاستراتيجيين السابق في “جي بي مورجان”، الذي يرى أن الارتفاع الأخير مدفوع بشكل أساسي بتدفقات السيولة والمضاربات المحمومة أكثر من كونه انعكاسًا حقيقيًا لعوامل العرض والطلب المادي. ويحذر هذا الفريق من أن الحركة السعرية الحالية تبدو “هشة” و”مشوهة”، وأنها قد تكرر سيناريوهات سابقة انهارت فيها الأسعار بنسب كبيرة بعد وصولها إلى ذروتها. يعتقد كولانوفيتش أن السوق قد يواجه “فخًا نفسيًا”، حيث ينجذب صغار المستثمرين إلى السوق في ذروة الارتفاع، ليتعرضوا لخسائر فادحة عند حدوث التصحيح العنيف الذي يراه حتميًا.
السيناريو المتفائل: أسس قوية تدعم الصعود
على النقيض تمامًا، يرى المتفائلون أن الظروف الحالية تختلف جذريًا عن الدورات السابقة، وأن هناك عوامل هيكلية قوية تدعم استمرار الاتجاه الصاعد لأسعار الفضة. وتتمثل هذه العوامل في نقطتين رئيسيتين:
- الطلب الصناعي غير المسبوق: يُطلق على الفضة لقب “معدن التحول الأخضر”، حيث تلعب دورًا حاسمًا في التقنيات المستدامة. فهي مكون أساسي في صناعة الألواح الشمسية (الخلايا الكهروضوئية)، والسيارات الكهربائية، وشبكات الجيل الخامس (5G). ومع تسارع التوجه العالمي نحو الطاقة النظيفة والكهرباء، من المتوقع أن ينمو الطلب الصناعي على الفضة بشكل هائل، وهو طلب غير مرن يصعب استبداله بمواد أخرى نظرًا لخصائص الفضة الفريدة في التوصيل الكهربائي والحراري.
- العجز الهيكلي في المعروض: تشير تقارير مؤسسات متخصصة مثل “معهد الفضة” وبنوك استثمارية كبرى مثل “HSBC” إلى أن سوق الفضة يعاني من عجز هيكلي مستمر، حيث يتجاوز إجمالي الطلب (الصناعي والاستثماري) حجم المعروض من المناجم وإعادة التدوير. ومن المتوقع أن يتسع هذا العجز في السنوات القادمة، مما يوفر دعمًا أساسيًا قويًا للأسعار على المدى الطويل، بغض النظر عن تقلبات المضاربة قصيرة الأجل.
التأثيرات المحتملة على الاقتصاد العالمي
إن مسار أسعار الفضة له تداعيات تتجاوز أسواق السلع. فعلى الصعيد الدولي، قد يؤدي استمرار ارتفاع الأسعار إلى زيادة تكاليف إنتاج تقنيات الطاقة المتجددة، مما قد يبطئ وتيرة التحول الأخضر عالميًا. أما على الصعيد الإقليمي والمحلي، فيؤثر ذلك على أسواق المجوهرات وأنماط الادخار، وقد يدفع المزيد من الأفراد للتوجه نحو المعادن الثمينة كأداة للتحوط من التضخم وعدم اليقين الاقتصادي. في النهاية، يبقى مستقبل المعدن الأبيض معلقًا بين قوة أساسياته الصناعية وجاذبيته للمضاربين، وسيكون الصراع بين هذين العاملين هو ما سيحدد اتجاهه في الفترة المقبلة.


