في سابقة تاريخية لم تشهدها الأسواق المالية من قبل، قفز سعر أونصة الفضة ليلامس حاجز الـ 100 دولار لأول مرة خلال تعاملات يوم الجمعة، محققاً بذلك إنجازاً غير مسبوق يعكس التحولات العميقة في الاقتصاد العالمي. يأتي هذا الصعود الصاروخي مدفوعاً بتعزيز المعدن الأبيض لمكانته كملاذ آمن استراتيجي، في ظل حالة الضبابية وعدم اليقين التي تثيرها السياسات الاقتصادية والجيوسياسية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
قفزة نوعية وأداء يتفوق على الذهب
سجّلت أونصة الفضة مستوى قياسياً عند 100.29 دولار، وهو ما يمثل تضاعفاً في السعر خلال فترة قصيرة لا تتجاوز ثلاثة أشهر ونصف الشهر. هذا الأداء الاستثنائي لفت أنظار المحللين الاقتصاديين، حيث صرح ديفيد موريسون، كبير محلّلي الأسواق في شركة "تريد نيشن"، بأن أداء الفضة "يتفوّق على نحو استثنائي" حتى على أداء الذهب، الذي شهد هو الآخر ارتفاعاً كبيراً ليناهز خمسة آلاف دولار للأونصة.
ويعزو الخبراء هذا التفوق إلى الطبيعة المزدوجة للفضة؛ فهي ليست مجرد مخزن للقيمة كالذهب فحسب، بل هي عنصر صناعي حيوي لا غنى عنه في تقنيات المستقبل.
محركات الطلب: من الطاقة الشمسية إلى الذكاء الاصطناعي
لا يمكن فصل هذا الارتفاع الجنوني عن أساسيات العرض والطلب في السوق العالمية. يشهد العالم حالياً شحاً ملحوظاً في إمدادات الفضة، تزامناً مع انفجار في الطلب الصناعي. وتلعب القطاعات التالية دوراً حاسماً في هذا المشهد:
- الطاقة النظيفة: الاعتماد المتزايد على الألواح الشمسية التي تتطلب كميات كبيرة من الفضة لخصائصها التوصيلية الفائقة.
- الثورة التكنولوجية: الاستخدام الكثيف في الإلكترونيات الدقيقة وصناعة الرقائق.
- الذكاء الاصطناعي: تهافت المستثمرين والشركات لاقتناء المعدن لاستخدامه في البنية التحتية لمراكز البيانات الخاصة بالذكاء الاصطناعي، وهو عامل جديد زاد من حدة المنافسة على المعروض المتاح.
السياق التاريخي والتأثيرات الاقتصادية
لفهم حجم هذا الحدث، يجب العودة قليلاً إلى الوراء؛ ففي التاسع من أكتوبر الماضي، كان المعدن قد بلغ مستوى 50 دولاراً للأونصة، كاسراً بذلك رقماً قياسياً صمد منذ عام 1980. واليوم، وبعد مرور أشهر قليلة، تضاعف هذا الرقم، مما يشير إلى دخول الأسواق في دورة فائقة (Super Cycle) للسلع والمعادن النفيسة.
من المتوقع أن يلقي هذا الارتفاع بظلاله على الأسواق المحلية والعالمية، حيث قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف المنتجات الإلكترونية وألواح الطاقة الشمسية، فضلاً عن تأثيره المباشر على سوق الحلي والمجوهرات، مما قد يغير من سلوك المستهلكين ويدفعهم نحو بدائل أخرى أو اعتبار الفضة أصلاً استثمارياً بحتاً بدلاً من كونه للزينة فقط.


