شهدت الأسواق العالمية اليوم الاثنين تحولات دراماتيكية، حيث سجلت أسعار النفط والغاز ارتفاعاً حاداً وغير مسبوق منذ أشهر، وذلك على خلفية المخاوف المتزايدة بشأن إمدادات الطاقة العالمية مع اتساع رقعة الصراع في الشرق الأوسط. وتأتي هذه القفزة السعرية كرد فعل مباشر على التوترات العسكرية المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، مما يضع الاقتصاد العالمي أمام اختبار جديد.
أرقام قياسية وتوتر في الأسواق العالمية
بحلول الساعة 08:45 بتوقيت غرينتش، قفز سعر برميل نفط برنت بحر الشمال بنسبة كبيرة بلغت 8.66% ليصل إلى مستوى 79.18 دولاراً، بعد أن لامس 82.37 دولاراً خلال جلسة التداولات نفسها، وهو فارق شاسع مقارنة بسعر 61 دولاراً الذي استهل به العام. وبالتوازي، ارتفع خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بنسبة 8.01% ليبلغ 72.39 دولاراً للبرميل. ولم تكن أسواق الغاز بمنأى عن هذه الموجة، حيث ارتفعت أسعار عقد "تي تي إف" الهولندي، المرجع الأوروبي للغاز الطبيعي، بنسبة تناهز 25% لتصل إلى 40.375 يورو، وسط قلق من تأثر الإمدادات القطرية التي تمر عبر المضيق.
مضيق هرمز: الشريان الحيوي تحت التهديد
تاريخياً، لطالما شكل مضيق هرمز نقطة اختناق استراتيجية في تجارة النفط العالمية، حيث يمر عبره نحو 20% من إجمالي استهلاك النفط العالمي يومياً، بالإضافة إلى كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال. وتخشى أسواق الطاقة من تكرار سيناريوهات أزمات سابقة، حيث أدى الهجوم الأمريكي الإسرائيلي الأخير والرد الإيراني بالصواريخ والمسيرات إلى شلل شبه تام في حركة الملاحة. وقد دفع هذا الوضع شركات الشحن الكبرى وشركات التأمين البحري إلى تعليق خدماتها أو رفع أقساط التأمين لمستويات قياسية، مما يعني فعلياً إغلاق الممر المائي أمام حركة التجارة.
تداعيات اقتصادية تتجاوز الحدود الإقليمية
إن استمرار ارتفاع أسعار النفط والغاز لفترة طويلة قد يلقي بظلاله القاتمة على الاقتصاد العالمي الذي لا يزال يتعافى من آثار التضخم. يعيد هذا المشهد للأذهان الأزمة التي تلت الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير 2022، حين تجاوز النفط حاجز 100 دولار، متسبباً في موجة تضخم عالمية طالت جميع القطاعات. ويرى الخبراء أن الصين، بصفتها أكبر مستورد للنفط، قد تكون الأكثر تضرراً، خاصة في ظل اعتمادها الكبير على النفط الإيراني الخاضع للعقوبات، بينما تواجه أوروبا تحديات جديدة في تأمين احتياجاتها من الغاز قبل الشتاء القادم.
استجابة المنتجين والمخاوف الأمنية
في محاولة لتهدئة الأسواق، قررت ثماني دول في تحالف "أوبك بلس"، بقيادة السعودية وروسيا، زيادة الإنتاج بمقدار 206 آلاف برميل يومياً، وهي خطوة تجاوزت التوقعات لكنها قد لا تكون كافية إذا استمر إغلاق المضيق. وفي سياق متصل، أعلنت وزارة الطاقة السعودية تعليق العمل في بعض وحدات مصفاة رأس تنورة العملاقة بشكل احترازي عقب استهدافها بمسيرات، مؤكدة في الوقت ذاته عدم تأثر الإمدادات المحلية. وحذرت مجموعة يوراسيا البحثية من أن انقطاع الإمدادات لفترة طويلة قد يدفع الأسعار سريعاً نحو 100 دولار للبرميل، مما يضع ضغوطاً سياسية واقتصادية هائلة على واشنطن والعواصم العالمية الكبرى.


