تولي المملكة العربية السعودية، ممثلة في الهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، اهتماماً استثنائياً بضيوف الرحمن، حيث تتصدر خدمات كبار السن وذوي الإعاقة بالمسجد النبوي أولويات الخطط التشغيلية، خاصة خلال المواسم الإيمانية العظيمة كشهر رمضان المبارك. وتأتي هذه الجهود لضمان أداء العبادات في أجواء مفعمة باليسر والطمأنينة، عبر منظومة متكاملة من التجهيزات الميدانية والخدمات النوعية التي تراعي كافة الاحتياجات الإنسانية.
تطور تاريخي في رعاية قاصدي الحرمين
لم تكن العناية بضيوف الرحمن وليدة اللحظة، بل هي نهج راسخ في تاريخ خدمة الحرمين الشريفين. فمنذ عقود، شهد المسجد النبوي تطوراً ملحوظاً انتقل من مجرد توفير المساحات للصلاة إلى تقديم خدمات نوعية دقيقة. في الماضي، كانت الخدمات تقتصر على المساعدة البشرية المباشرة، ولكن مع التوسع العمراني والزيادة الكبيرة في أعداد المعتمرين والزوار، تحولت الاستراتيجية نحو دمج التقنية والهندسة الحديثة لخدمة الفئات الخاصة. يعكس هذا التحول التزام المملكة الراسخ بتذليل كافة العقبات أمام الزوار، مما يجعل المسجد النبوي اليوم نموذجاً عالمياً في سهولة الوصول والشمولية.
مصليات مجهزة وتقنيات مساعدة
وفي إطار خدمات كبار السن وذوي الإعاقة بالمسجد النبوي، خصصت الهيئة مصليات مهيأة بعناية فائقة بالقرب من الأبواب الرئيسة لتسهيل الدخول والخروج. ولم تغفل الهيئة احتياجات ذوي الإعاقة السمعية والبصرية، حيث تم تخصيص موقع للصم في السطح الغربي عند باب رقم (6)، مع توفير ترجمة فورية لخطبة الجمعة بلغة الإشارة. وللمكفوفين نصيب وافر من الرعاية، إذ وفرت الهيئة مصاحف مطبوعة بلغة "برايل" موزعة في أنحاء المسجد، مما يعزز من استقلاليتهم وقدرتهم على تلاوة القرآن الكريم بيسر.
منظومة تنقل ذكية وعربات كهربائية
عززت الهيئة خدمات التنقل بشكل غير مسبوق، موفرةً أسطولاً من العربات الكهربائية والكراسي المتحركة التي تضمن انسيابية الحركة داخل الأروقة والساحات. وتتيح الهيئة خدمة إعارة العربات مجاناً عبر المخرجين (309) و(343). ولضمان تكامل هذه الخدمات، تم تجهيز المنحدرات عند المداخل والمرافق وفق أعلى المعايير الهندسية لتسهيل تنقل مستخدمي الكراسي المتحركة دون عناء.
كما شملت التجهيزات مرافق مياه الشرب، حيث تم تصميم حوامل مخصصة لماء زمزم بارتفاع مناسب لمستخدمي العربات، فضلاً عن تخصيص 62 دورة مياه مجهزة بالكامل لكبار السن وذوي الإعاقة في المرافق الرجالية والنسائية، مما يعكس شمولية الرعاية ودقة التفاصيل.
الأثر الإنساني والبنية التحتية المتطورة
يضم المسجد النبوي بنية تحتية ضخمة تدعم هذه الخدمات، تشمل 180 مصعداً و156 سلماً كهربائياً موزعة في الساحات والمرافق، بالإضافة إلى 24 سلماً داخل المسجد. هذه التجهيزات تسهم بشكل مباشر في إدارة الحشود وتخفيف الازدحام، خاصة في أوقات الذروة.
إن توفير خدمات كبار السن وذوي الإعاقة بالمسجد النبوي بهذا المستوى المتقدم لا يقتصر أثره على الجانب التنظيمي فحسب، بل يمتد ليشمل الأثر النفسي والروحي للزوار. فهذه التسهيلات تعزز شعورهم بالانتماء والتقدير، وتؤكد رسالة الإسلام السمحة في التيسير ورفع الحرج. كما يتماشى ذلك مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 التي تسعى للارتقاء بجودة الخدمات المقدمة لضيوف الرحمن، وتمكين أكبر عدد ممكن من المسلمين من زيارة المشاعر المقدسة وأداء مناسكهم بكل يسر وسهولة وأمان.


