أثار قرار لجنة الاستئناف التابعة للاتحاد الإفريقي لكرة القدم (كاف) بخصوص تجريد السنغال من لقب كأس إفريقيا ومنحه للمنتخب المغربي المضيف، موجة من الغضب العارم وردود أفعال صاخبة في الشارع الرياضي السنغالي. وجاء هذا القرار المثير للجدل على خلفية الأحداث الفوضوية التي شهدتها المباراة النهائية، حيث قررت اللجنة اعتبار المنتخب السنغالي خاسراً بنتيجة 3-0، رغم فوزه الفعلي على أرض الملعب بهدف نظيف بعد التمديد.
السياق التاريخي وشغف أسود التيرانغا
تعتبر كرة القدم في السنغال أكثر من مجرد رياضة؛ إنها جزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية والثقافة الشعبية. لسنوات طويلة، سعت السنغال جاهدة لترسيخ مكانتها كقوة كروية عظمى في القارة السمراء. يُعرف المنتخب السنغالي بلقب “أسود التيرانغا”، وكلمة “تيرانغا” تعكس قيم الضيافة، الكرم، والصمود التي يتميز بها الشعب السنغالي. هذا الشغف التاريخي يفسر حجم الصدمة التي تلقاها المشجعون واللاعبون على حد سواء إثر ضياع اللقب القاري بقرار إداري، مما جعل ردود الأفعال تتجاوز حدود الملاعب لتصل إلى كل منزل في العاصمة دكار وباقي المدن.
تداعيات قرار تجريد السنغال من لقب كأس إفريقيا
لم يتأخر نجوم المنتخب السنغالي في التعبير عن إحباطهم الشديد تجاه قرار تجريد السنغال من لقب كأس إفريقيا. فقد نشر نجم خط الوسط، إدريسا غي، رسالة مؤثرة عبر حسابه على إنستغرام قال فيها: “الألقاب، الكؤوس، الميداليات… كل ذلك زائل. ما يهم حقاً هو أن يتمكن كل مشجع من العودة إلى منزله والالتقاء بعائلته”. وأضاف مؤكداً على الروح الوطنية: “لقد أظهر الشعب السنغالي حقيقته: كريم في النصر، وصامد في الشدة. هذا هو معنى التيرانغا. نحن نعلم ما عشناه تلك الليلة في الرباط، وهذا، بإذن الله، لن يستطيع أحد أن يسلبه منا”.
بدوره، شارك مدافع ليون الفرنسي، موسى نياخاتيه، سلسلة من الصور التي توثق احتفالات الفريق بالكأس في شوارع دكار المكتظة، معلقاً بعبارة: “إلى الأبد”. وفي منشور آخر يحمل فيه الكأس، كتب بتحدٍ: “تعالوا وخذوها، هم مجانين”، مضيفاً في صورة ثالثة: “هذا ليس ذكاءً اصطناعياً، إنه واقع”. كما وجه زميله في خط الدفاع، الحاج مالك ضيوف، رسالة قوية قائلاً: “أظهروا أنفسكم أيها الأبطال. هذا اللقب يُنتزع فوق المستطيل الأخضر، لا عبر البريد الإلكتروني”. وعبر باب ديمبا ديوب، لاعب تولوز الفرنسي، عن صدمته باختصار: “أعتقد أننا وسط مجانين”.
تأثير الأزمة على المشهد الرياضي الإفريقي والدولي
لا يقتصر تأثير هذا الحدث على النطاق المحلي السنغالي فحسب، بل يمتد ليشمل المشهد الرياضي الإقليمي والدولي، حيث يضع مصداقية الهيئات الكروية الإفريقية تحت المجهر. الغضب امتد إلى أروقة الاتحاد السنغالي لكرة القدم، حيث صرح مصدر داخلي لصحيفة “ليكيب” الفرنسية قائلاً: “نحن مصدومون. هناك اجتماع للمكتب التنفيذي للاتحاد الإفريقي في 29 مارس، وقد تتحول الأمور إلى حرب عالمية ثالثة”.
تعود جذور الأزمة إلى نهاية المواجهة في الرباط، حين احتسب الحكم الكونغولي الديمقراطي جان-جاك ندالا ركلة جزاء للمضيف في نهاية الوقت الأصلي، بعد إلغائه هدفاً لزملاء ساديو ماني. هدد السنغاليون بالانسحاب وغادروا أرض الملعب، قبل أن يعودوا لاستكمال المباراة التي شهدت إهدار إبراهيم دياز لركلة الجزاء، لتسجل السنغال هدف الفوز في الوقت الإضافي عبر باب غي. وعقب تحقيقات لاحقة، فرضت لجنة الانضباط في الكاف عقوبات مالية وإيقافات، قبل أن يتقدم المغرب باستئناف قلب الموازين.
انتقادات لاذعة لإدارة الكرة الإفريقية ومسار قانوني محتمل
في سياق متصل، وجه المدرب الفرنسي المخضرم كلود لوروا، الذي قاد السنغال سابقاً لربع نهائي 1992 والكاميرون للقب 1988، انتقادات حادة للاتحاد الإفريقي. وصرح لصحيفة “ليكيب”: “لم أكن لأتخيل ولو لثانية واحدة أن الكاف يمكن أن يمضي إلى هذا الحد في درب العبث”. وأشار لوروا إلى أن الإدارة الحالية للكاف بقيادة الجنوب إفريقي باتريس موتسيبي، والتي يعتبرها تابعة لرئيس الفيفا جياني إنفانتينو، تفسر بعض هذه الأمور بشكل أفضل.
وأضاف لوروا: “المغرب قدم بطولة كبيرة وكان يستحق التتويج إجمالاً، لكن في النهائي، كانت السنغال الأفضل. نحن في خضم فترة انتخابية، لذا يمكننا أن نتخيل حدوث شتى الأمور”. وختم محذراً من التداعيات الدولية: “أعتقد أن القصة لم تنتهِ بعد، وأن السنغال ستستعيد حقوقها في النهاية، ربما عبر اللجوء إلى محكمة التحكيم الرياضية (كاس). لكن للأسف، هذا القرار يسيء مرة أخرى إلى صورة الاتحاد الإفريقي وسيثير سخرية عالم كرة القدم بأسره”.


