رفض مجلس الشيوخ الأمريكي، في خطوة تعكس الانقسام السياسي الحاد في واشنطن، مشروع قرار كان يهدف إلى الحد من صلاحيات ترامب العسكرية ومنعه من شن عمليات عسكرية ضد إيران دون موافقة الكونجرس. وجاء هذا التصويت ليؤكد استمرار الدعم الجمهوري للرئيس دونالد ترامب في استراتيجيته للضغط الأقصى على طهران، رغم المخاوف المتزايدة من انزلاق المنطقة إلى حرب مفتوحة.
وكان مشروع القرار، الذي تقدم به السيناتور الديمقراطي تيم كاين والسيناتور الجمهوري راند بول، يسعى لإلزام الإدارة الأمريكية بوقف أي أعمال عدائية ضد إيران ما لم تحصل على تفويض رسمي من السلطة التشريعية. إلا أن سيطرة الجمهوريين على مجلس الشيوخ بأغلبية 53 مقعداً مقابل 47 للديمقراطيين حالت دون تمرير القرار، حيث اصطف معظم الأعضاء الجمهوريين خلف الرئيس، معتبرين أن تقييد يديه في هذا التوقيت قد يرسل إشارات ضعف للخصوم.
خلفيات التوتر وتفعيل قانون صلاحيات الحرب
لفهم أبعاد هذا الصراع التشريعي، يجب النظر إلى السياق التاريخي والسياسي الذي دفع نحو تقديم هذا المشروع. يستند التحرك الديمقراطي إلى "قانون صلاحيات الحرب" لعام 1973، الذي أُقر في أعقاب حرب فيتنام لمنع الرؤساء من الانخراط في نزاعات عسكرية طويلة الأمد دون موافقة الشعب ممثلاً في الكونجرس. وقد تجدد هذا الجدل بقوة عقب التصعيد العسكري الكبير الذي شهدته بداية عام 2020.
وجاءت محاولة تقييد صلاحيات ترامب العسكرية بعد أيام قليلة من الغارة الجوية الأمريكية التي استهدفت قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني، وما تبعها من ردود فعل إيرانية استهدفت قواعد عسكرية، مما وضع الولايات المتحدة وإيران على شفا مواجهة مباشرة. رأى المشرعون الداعمون للقرار أن الإدارة الأمريكية لم تقدم أدلة كافية تبرر "التهديد الوشيك" الذي استدعى الضربة دون الرجوع للكونجرس.
جدل دستوري حول صلاحيات ترامب العسكرية
يتمحور الخلاف الجوهري حول تفسير الدستور؛ إذ يتهم الديمقراطيون الرئيس ترامب بتجاوز صلاحياته الدستورية عبر شن أعمال حربية أحادية الجانب. وفي هذا السياق، صرح السيناتور تيم كاين لوكالة فرانس برس عقب إحاطة سرية من مسؤولي الإدارة: "دعونى أوضح الأمر، لم يُعرض أي دليل في تلك الغرفة يشير إلى أن الولايات المتحدة واجهت أي تهديد وشيك من إيران"، مشككاً في الرواية الرسمية التي قدمتها الإدارة لتبرير التصعيد.
في المقابل، دافع حلفاء ترامب، وعلى رأسهم السيناتور ليندسي غراهام، عن حق الرئيس في الدفاع عن المصالح الأمريكية. وكتب غراهام على منصة "إكس" مدافعاً عن الموقف المتشدد: "تسببت عبوات ناسفة تزرع على جوانب الطرق وتُصنع في إيران بإصابة وقتل المئات إن لم يكن الآلاف من الأمريكيين"، مضيفاً أن الحزم هو اللغة الوحيدة التي يفهمها النظام الإيراني، ومعرباً عن سعادته لعدم السماح لطهران بمراكمة المزيد من القوة الصاروخية.
تداعيات القرار على المشهد الإقليمي والدولي
يحمل فشل تمرير هذا القرار دلالات واسعة تتجاوز أروقة الكونجرس لتصل إلى الشرق الأوسط والعواصم العالمية. فمن الناحية العملية، يعني هذا التفويض الضمني بقاء صلاحيات ترامب العسكرية مطلقة في التعامل مع الملف الإيراني، مما يبقي خيار الضربات العسكرية مطروحاً بقوة على الطاولة. هذا الوضع يعزز حالة "اللايقين" في منطقة الخليج، وقد يدفع الحلفاء الأوروبيين للقلق من إمكانية اندلاع نزاع يؤثر على إمدادات الطاقة العالمية دون سابق إنذار.
وعلى الرغم من انضمام أربعة أعضاء جمهوريين إلى المعسكر الديمقراطي لدعم القرار، ومعارضة ديمقراطي واحد هو جون فيترمان، إلا أن النتيجة النهائية صبت في صالح البيت الأبيض. وحتى في السيناريو الافتراضي الذي كان يمكن أن يمر فيه القرار عبر مجلسي الشيوخ والنواب، كان الرئيس ترامب يمتلك حق النقض (الفيتو)، والذي يتطلب تجاوزه أغلبية الثلثين في كلا المجلسين، وهو أمر شبه مستحيل في ظل الاستقطاب الحزبي الحالي.


