أكدت نخبة من الأكاديميات والمختصات أن المملكة العربية السعودية تعيش عصرًا ذهبيًا في ملف تمكين المرأة السعودية، حيث تشهد البلاد تحولات بنيوية وتاريخية نقلت المرأة من أدوار تقليدية إلى مصاف القيادة والابتكار في قطاعات حيوية كالتقنية والاقتصاد والعلوم. وأوضحن في حديثهن لـ«اليوم» بمناسبة اليوم الدولي للمرأة، أن الدعم اللامحدود من القيادة الرشيدة لم يقتصر أثره على المسار المهني فحسب، بل امتد ليعزز جودة حياة الأسرة ويبني مجتمعًا معرفيًا متوازنًا ومستدامًا.
مسيرة إصلاحات تاريخية ونقلة نوعية
يأتي هذا الحراك التنموي في سياق تاريخي غير مسبوق، حيث انطلقت المملكة منذ إعلان رؤية 2030 في تنفيذ حزمة واسعة من الإصلاحات التشريعية والتنظيمية. شملت هذه الإصلاحات تعديلات جوهرية في أنظمة العمل، والأحوال المدنية، والمرور، مما مهد الطريق أمام المرأة لتكون شريكًا حقيقيًا في التنمية. هذه الخطوات لم تكن مجرد قرارات إدارية، بل كانت تأسيسًا لمرحلة جديدة من الشراكة المجتمعية التي تضمن حقوق المرأة وتعزز مكانتها كعنصر فاعل في بناء الوطن.
قفزة التقنية والتحول الرقمي
في هذا الإطار، أكدت مستشارة التحول والحكومة الرقمية الدكتورة مها الجهني أن المملكة تشهد تحولًا نوعيًا في تمكين المرأة ضمن الاقتصاد الرقمي. وأشارت إلى أن نسبة مشاركة المرأة في قطاع التقنية ارتفعت بشكل ملحوظ من 7% عام 2018 إلى نحو 35% حاليًا، وهو ما يعد انعكاسًا مباشرًا لنجاح مستهدفات رؤية المملكة 2030 في ردم الفجوة الرقمية.
وأوضحت الجهني أن أثر هذا التمكين يمتد ليعزز استقرار الأسرة ونماء المجتمع، فتبني المجتمع للمرأة الممكنة علميًا ومهنيًا يسهم في بناء مجتمع أكثر توازنًا واستدامة. كما أشارت إلى أهمية ترسيخ ثقافة التوازن بين الحياة المهنية والشخصية لمواجهة تحديات تعدد الأدوار، مشيدة بسياسات العمل المرنة والعمل عن بُعد التي هيأت بيئات عمل داعمة.
د. مها الجهني
صدى إقليمي ومؤشرات تنافسية عالمية
وعلى الصعيدين الإقليمي والدولي، أصبحت تجربة المملكة في تمكين المرأة السعودية نموذجًا يحتذى به، حيث انعكست هذه الجهود على تحسن ترتيب المملكة في المؤشرات العالمية، مثل تقرير «المرأة، أنشطة الأعمال والقانون» الصادر عن البنك الدولي، وتقرير الفجوة بين الجنسين الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي. هذا التقدم يعزز من مكانة المملكة كقوة اقتصادية واجتماعية مؤثرة، ويؤكد للعالم أن الاستثمار في قدرات المرأة هو استثمار في مستقبل المنطقة بأسرها.
منظومة دعم وطنية متكاملة
من جهتها، أشادت الباحثة في العلوم البيئية والبحرية الدكتورة طيبه العامودي بالحضور الاستثنائي للمرأة السعودية في مختلف المجالات، مؤكدة أن هذا الحضور تعززه منظومة دعم متكاملة في ظل رؤية 2030. ووصفت ما تحقق خلال السنوات الأخيرة بأنه مبهر بكل المقاييس، بدءًا من توسيع فرص العمل وريادة الأعمال، وصولًا إلى برامج التدريب والتأهيل والسياسات التي تكفل بيئة عمل آمنة وداعمة.
د. طيبه العامودي
أثر تمكين المرأة السعودية على جودة الحياة
وفي سياق متصل، أكدت استشارية جراحة الأورام والكبد الدكتورة غدير جمجوم أن تمكين المرأة يسهم بشكل كبير في استقرار الأسرة، من خلال تحسين جودة الحياة وتعزيز العلاقات الأسرية. وأشارت إلى أن مشاركة النساء بفاعلية في مجتمعاتهن تسهم في تحقيق النمو الاقتصادي والاجتماعي الشامل.
وأوضحت أن التحديات التي قد تواجه المرأة مثل ضغوط العمل يمكن تجاوزها عبر دعم الصحة النفسية وتوفير الاستشارات المهنية المتخصصة، منوهة بالدور المهم للبرامج الوطنية في تعزيز حقوق المرأة وتوفير فرص التعليم العالي والتدريب وتشجيع ريادة الأعمال.
د. غدير جمجوم
شراكة فاعلة في صناعة المستقبل
من جانبها، بينت الأستاذ المشارك في جامعة الملك سعود ومستشار التقنيات الناشئة الدكتورة عبير الحميدي أن اليوم الدولي للمرأة مناسبة للاحتفاء بإسهاماتها في بناء المجتمعات وتعزيز التنمية المستدامة. وأوضحت أن التحول النوعي في المجالات العلمية والقيادية انعكس إيجابًا على استقرار الأسرة، فعندما تُمنح المرأة فرصة التعليم والعمل تصبح شريكًا أساسيًا في صناعة المستقبل، وتسهم في تنمية الاقتصاد وتربية أجيال واعية قادرة على مواصلة مسيرة التطور.
د. عبير الحميدي
إدارة مهارات الحياة بكفاءة
فيما أوضحت استشارية أمراض الدم الدكتورة ناهد قوشماق أن التمكين ينعكس إيجابًا على استقرار الأسرة، إذ يسهم التطور المهني في تنمية المهارات الحياتية للمرأة وتعزيز حس المسؤولية لديها، إلى جانب قدرتها على إدارة شؤون حياتها بكفاءة. وأضافت أن الاستقرار المادي يمنح المرأة القدرة على العطاء والمشاركة الفاعلة في بناء أسرتها وتوفير بيئة متوازنة.
د. ناهد قوشماق
واختتمت قوشماق بالإشارة إلى أن تحديات إدارة الوقت وضغوط العمل تتطلب تنمية مهارات التنظيم وتوفير الدعم الأسري والمؤسسي لضمان استمرار عطائها، مشيدة بالمبادرات الوطنية وتشريعات نظام العمل ونظام الأحوال الشخصية التي ذللت العقبات أمام المرأة، بما يسهم في تحقيق مستهدفات الرؤية.


