في تأكيد على الدور المحوري للعنصر البشري في العملية التعليمية، شاركت وزارة التعليم السعودية في المؤتمر الدولي لمهنة التعليم الذي استضافته سلطنة عُمان، حيث شددت على أن المعلم يظل الركيزة الأساسية لإحداث الأثر التربوي وضمان جودة التعلم. وأوضحت الوزارة أن التقنيات الحديثة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي، ما هي إلا أدوات تمكين داعمة لا يمكن أن تحل محل الدور الإنساني والتوجيهي للمعلم.
السياق العالمي والتحول الرقمي في التعليم
يأتي هذا المؤتمر، الذي عُقد تحت شعار «تعليم مستدام في عصر الذكاء الاصطناعي»، في وقت يشهد فيه قطاع التعليم العالمي تحولاً جذرياً. فمنذ سنوات، تتسارع وتيرة دمج التكنولوجيا في الفصول الدراسية، وهي وتيرة زادت بشكل كبير بعد جائحة كوفيد-19 التي فرضت على الأنظمة التعليمية حول العالم تبني حلول التعلم عن بعد. هذا التحول أثار نقاشاً عالمياً واسعاً حول مستقبل مهنة التعليم ودور المعلم في ظل وجود أدوات الذكاء الاصطناعي القادرة على تخصيص المحتوى وأتمتة بعض المهام، مما يجعل الطرح السعودي في المؤتمر صوتاً مهماً يدعو إلى التوازن بين الابتكار التقني والحفاظ على جوهر التعليم الإنساني.
تجربة المملكة ورؤية 2030
خلال مشاركته، استعرض وكيل وزارة التعليم للتعليم العام، الدكتور حسن خرمي، تجربة المملكة في تطوير مهنة التعليم والقيادة التربوية. وأشار إلى أن المنظومة التعليمية الوطنية ترتكز على بناء تعليم مستدام يعزز جودة المخرجات ويواكب التحولات التقنية المتسارعة. وتنسجم هذه الجهود مع برنامج تنمية القدرات البشرية، أحد أهم برامج رؤية السعودية 2030، الذي يهدف إلى إعداد مواطن منافس عالمياً. وأوضح خرمي أن التجربة السعودية تولي اهتماماً خاصاً بترسيخ المهارات الأساسية لدى الطلبة، وتعزيز القيم والسلوك الإيجابي، وتنمية الصلابة النفسية والذكاء الاجتماعي والعاطفي، وهي مهارات لا يمكن للآلة أن تغرسها، بل تحتاج إلى تفاعل مباشر مع معلم قدوة ومؤثر.
أهمية الحدث وتأثيره المتوقع
تكتسب هذه المشاركة أهمية كبرى على عدة مستويات. فعلى الصعيد المحلي، تعكس هذه الرؤية استراتيجية المملكة الواضحة نحو الاستثمار في المعلم وتطويره المهني المستمر، باعتباره حجر الزاوية في أي تحول تعليمي ناجح. أما إقليمياً، فتقدم التجربة السعودية نموذجاً متوازناً للدول المجاورة التي تسعى بدورها إلى تحديث أنظمتها التعليمية، مؤكدة أن تبني التكنولوجيا لا يعني تهميش المعلم. ودولياً، تساهم المملكة في الحوار العالمي الدائر حول أخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم، وتدعم التوجهات التي تنادي بها منظمات دولية مثل اليونسكو، والتي تشدد على ضرورة أن يظل الذكاء الاصطناعي في خدمة الإنسان ويعزز الإنصاف والشمول في التعليم.
توصيات لمستقبل مستدام
واختتم المؤتمر الدولي أعماله بعدة توصيات رئيسية، أبرزها ضرورة تطوير سياسات تعليمية وطنية مستدامة تتسق مع الأطر الدولية، وتوظيف الذكاء الاصطناعي بشكل مسؤول لتحسين نواتج التعلم، ودعم الشمول والإنصاف، وبناء أنظمة تعليمية مرنة قادرة على التكيف مع الأزمات المستقبلية. وأكدت التوصيات مجدداً على أن نجاح دمج هذه التقنيات يعتمد بشكل أساسي على إعداد المعلمين وتدريبهم ليكونوا قادة في هذا التحول، وليسوا مجرد مستخدمين للأدوات الجديدة.


