الهدر المالي في الرياضة السعودية: بين الطموح والاستدامة

الهدر المالي في الرياضة السعودية: بين الطموح والاستدامة

27.02.2026
9 mins read
تحليل عميق لظاهرة الإنفاق المالي الضخم في الأندية السعودية. هل يقود "الهدر الأزرق" إلى نمو حقيقي أم يخلق فقاعة تهدد استدامة المشروع الرياضي الطموح؟

في عالم اقتصاديات الرياضة، لا يُقاس النجاح ببريق الأسماء وحدها، بل بصلابة الأرقام واستدامتها. ومع ذلك، يكشف المشهد الرياضي الحالي عن مفارقة صارخة، حيث يغرق أحد الفرق في بحر من الإنفاق غير المنضبط، فيبرم صفقات استقطاب باهظة، ثم يعقد مخالصات أكثر كلفة، وكأن المال العام مجرد تفصيل هامشي في دفتر بلا محاسبة. إنها حلقة مفرغة من الإنفاق تشبه العجلة التي تدور بلا محور: ضجيج كثير، وعائد قليل.

يأتي هذا النقاش في خضم تحول تاريخي تشهده الرياضة السعودية، مدفوعًا برؤية المملكة 2030 التي تهدف إلى تنويع الاقتصاد وبناء قطاع رياضي قوي ومستدام. وفي هذا الإطار، أطلق صندوق الاستثمارات العامة مشروع الاستثمار والتخصيص للأندية الرياضية، الذي استحوذ بموجبه على حصص أغلبية في أندية كبرى، مما ضخ سيولة مالية هائلة بهدف استقطاب نجوم عالميين ورفع مستوى التنافسية في دوري المحترفين السعودي. هذا الدعم الحكومي السخي، رغم أهميته، يضع على عاتق إدارات الأندية مسؤولية تاريخية لإدارة هذه الموارد بكفاءة وحكمة.

المصطلح المالي “الحبر الأزرق”، الذي يُستخدم في التقارير لتوقيع الاعتمادات والالتزامات المالية المؤكدة، يتحول في هذا السياق إلى “هدر أزرق” عندما تتكرر الالتزامات دون تحقيق عائد موازٍ. فبدلاً من أن يكون رمزًا للاعتماد المالي المشروع، يصبح أثراً دائماً لنزيف مالي مستمر. هذا السلوك الإداري، الذي يفتقر إلى المنطقية المالية، لا يمكن أن تقبله أي شركة ربحية تسعى للنمو، ولا يمكن أن يغامر به أي مستثمر رشيد يبني قراراته على دراسات جدوى دقيقة، وليس على الانفعال العاطفي وضغط الجماهير.

عندما تُدار التعاقدات بعاطفة الجمهور، وتُعالج أخطاء الأمس بكلفة مضاعفة اليوم، يصبح النادي رهينة لقرارات قصيرة الأجل، تجمّل الحاضر وتُثقل كاهل المستقبل. وعلى الصعيد المحلي، يخلق هذا الإنفاق المفرط تشوهاً في السوق، حيث ترتفع سقوف المطالبات المالية ورواتب اللاعبين بشكل مصطنع، مما يخل بالتوازن التنافسي. فالسباق لا يعود متكافئاً، ليس لأن فريقاً استثمر بشكل أفضل، بل لأنه أنفق بإسراف أكبر وبلا حسيب. تتحول المنافسة من سباق كفاءة إلى مزايدة على القدرة على الاحتمال المالي.

أما التأثير الإقليمي والدولي، فيتمثل في أن هذا النموذج، إذا لم يُقنّن، قد يرسخ صورة عن الدوري السعودي بأنه وجهة للاستهلاك المالي بدلاً من الاستثمار المستدام. في حين أن الهدف هو بناء منظومة رياضية متكاملة، فإن التركيز على الصفقات الصاخبة وحدها قد يهمش الاستثمار في البنية التحتية، وأكاديميات الناشئين، وبرامج تطوير المواهب المحلية. كل ريال يُهدر اليوم هو فرصة ضائعة لتمويل هذه المشاريع الحيوية التي تضمن استمرارية النجاح.

ومع كل صفقة جديدة تُعلن، يرتفع سؤال الحوكمة: أين آليات التقييم؟ أين لجان المخاطر؟ وأين الإفصاح المالي الذي يطمئن الشارع الرياضي ويصون الثقة؟ إن غياب الشفافية يفتح أبواب التأويل، ويضعف الثقة في المنظومة بأكملها. الرياضة الحديثة لا تقوم على الشغف وحده، بل على نظام رقابي صارم، وإفصاح دوري، ومؤشرات أداء تقيس الأثر الفعلي قبل الاحتفاء بالعناوين البراقة.

في النهاية، يمكن تحويل البوصلة من الاستعراض إلى الاستدامة، ومن الصفقات الصاخبة إلى الاستثمارات الذكية. المطلوب هو إطار حوكمة صارم، ولجان فنية مستقلة، ومراجعات مالية دورية، وربط سقف الإنفاق بالإيرادات الفعلية. فالقيمة الحقيقية لا تُقاس بعدد التعاقدات، بل بقدرة النادي على خلق دورة اقتصادية متوازنة تنمّي الأصول وتحافظ على العدالة. ويبقى الخيار إدارياً بامتياز: إما عقلٌ يُحسن الحساب، أو اندفاعٌ يراكم الفاتورة.

اترك تعليقاً

Your email address will not be published.

أذهب إلىالأعلى