انخفاض التمويل العقاري السعودي للأفراد وتأثيره على السوق

انخفاض التمويل العقاري السعودي للأفراد وتأثيره على السوق

03.02.2026
10 mins read
شهد التمويل العقاري السكني للأفراد في السعودية انخفاضًا بنسبة 11.7%. تحليل لأسباب التراجع وتأثير ارتفاع الفائدة على أسعار العقارات ورؤية 2030.

سجل التمويل العقاري السكني الجديد الممنوح للأفراد في المملكة العربية السعودية انخفاضًا ملحوظًا خلال الربع الثالث من عام 2023، بنسبة تراجع سنوية بلغت 11.7%، وبتراجع ربعي وصل إلى 4.7%. يأتي هذا التطور، الذي كشف عنه تقرير أداء القطاع العقاري الصادر عن الهيئة العامة للعقار، ليعكس مرحلة جديدة يمر بها السوق، متأثرًا بعوامل متعددة أبرزها ارتفاع تكاليف الاقتراض والتوجه نحو توازن العرض والطلب.

السياق العام: من طفرة رؤية 2030 إلى مرحلة النضج

شهد القطاع العقاري السعودي طفرة غير مسبوقة خلال السنوات الماضية، مدفوعًا بشكل أساسي بأهداف رؤية المملكة 2030 وبرنامج الإسكان “سكني”، الذي هدف إلى رفع نسبة تملك المواطنين للمساكن. وقد أدت هذه السياسات إلى تسهيل الحصول على القروض العقارية وضخ سيولة ضخمة في السوق، مما أدى إلى نمو متسارع في حجم التمويل. إلا أن التطورات الأخيرة تشير إلى أن السوق بدأ يدخل مرحلة من النضج والتصحيح، حيث أصبحت العوامل الاقتصادية الأساسية، مثل أسعار الفائدة والقدرة الشرائية، هي المحرك الرئيسي للطلب بدلاً من الدعم الحكومي والسيولة المفرطة.

تحليل أداء القطاعات العقارية المختلفة

أظهر التقرير تباينًا واضحًا في أداء مختلف قطاعات السوق العقاري، مما يدل على تغير في سلوك المشترين والمستثمرين.

تمويل الفلل والوحدات السكنية

كان لتراجع السيولة الموجهة للأفراد تأثير مباشر على المنتجات العقارية ذات التكلفة المرتفعة. فقد انخفض تمويل “الفلل” بنسبة 4.2% على أساس سنوي، وهو ما يؤكد حساسية هذا القطاع لارتفاع تكلفة الإقراض. ويبدو أن المشترين يتجهون نحو خيارات سكنية أصغر حجمًا وأكثر ملاءمة من الناحية المالية، مثل الشقق. ورغم التراجع السنوي، شهد نشاط السوق السكني انتعاشًا على أساس ربعي بنسبة 12.9% في عدد الصفقات، مما يوحي بأن الطلب الأساسي لا يزال قائمًا ولكنه يعيد تشكيل أولوياته.

القطاع التجاري والزراعي

في المقابل، شهد السوق التجاري زيادة في عدد الصفقات، لكن مع تراجع كبير في قيمتها الإجمالية بنحو 49.6% على أساس ربعي. يشير هذا إلى أن المستثمرين يفضلون حاليًا الصفقات الأصغر حجمًا والأكثر سيولة، ربما لتجنب المخاطر المرتبطة بالاستثمارات الكبيرة في ظل البيئة الاقتصادية الحالية. أما القطاع الزراعي، فقد واصل تراجعه الحاد على مستوى عدد وقيمة الصفقات، مما يعكس انحسار جاذبيته الاستثمارية.

تأثير السياسة النقدية والتشريعات الجديدة

لا يمكن فصل هذا التراجع عن السياسة النقدية التي يتبعها البنك المركزي السعودي (ساما)، والتي تتماشى مع التوجهات العالمية لرفع أسعار الفائدة لكبح التضخم. هذا الارتفاع في تكلفة الاقتراض جعل الحصول على تمويل عقاري أكثر تكلفة للأفراد، مما أدى إلى تباطؤ الطلب. في الوقت نفسه، يتكيف السوق مع التشريعات الجديدة التي تهدف إلى زيادة الشفافية والتنظيم. وقد انعكس هذا في الانتعاش الربعي الملحوظ في إصدار الرخص وأنشطة الوساطة، حيث ارتفع عدد الرخص المصدرة بنسبة 19.8% وبلغت عقود الوساطة 135,983 عقدًا بزيادة 23.7%، مع تركز النشاط بشكل كبير في المدن الرئيسية كالرياض ومكة المكرمة والمنطقة الشرقية.

نظرة على سوق الإيجار والقروض القائمة

امتدت تأثيرات السوق إلى قطاع الإيجارات الذي شهد ضغوطًا سعرية واضحة. فعلى الرغم من ارتفاع عدد صفقات الإيجار السكنية ربعيًا، انخفضت قيمتها الإجمالية بنسبة 21.2%. وكان الانخفاض أكثر حدة في الإيجارات التجارية التي تراجعت قيمتها بنسبة 53.6% سنويًا. يعكس هذا توجه السوق نحو عقود إيجارية أقل تكلفة، مدفوعًا بضغوط على القدرة الشرائية للمستأجرين. وعلى الرغم من التباطؤ الحالي، يمتلك القطاع قاعدة تمويلية قوية، حيث تجاوزت قيمة القروض العقارية القائمة 966.8 مليار ريال، مما يؤكد الأهمية الاستراتيجية للقطاع في الاقتصاد الوطني.

اترك تعليقاً

Your email address will not be published.

أذهب إلىالأعلى