أعلنت هيئة تقويم التعليم والتدريب في المملكة العربية السعودية عن طرحها لمشروع تحديث “الإطار الوطني للمؤهلات – الإصدار الثالث” عبر منصة “استطلاع”، في خطوة استراتيجية تهدف إلى إحداث نقلة نوعية في منظومة التعليم والتدريب. يأتي هذا التحديث كجزء من الجهود المستمرة لمواءمة المخرجات التعليمية مع متطلبات سوق العمل المتغيرة والتوجهات العالمية الحديثة، بما يصب مباشرة في تحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030 الرامية إلى بناء رأس مال بشري يتمتع بقدرات تنافسية عالمية.
خلفية التطوير وأهمية الإطار الوطني للمؤهلات
يُعد الإطار الوطني للمؤهلات (NQF) أداة مرجعية أساسية لتصنيف المؤهلات التعليمية والمهنية والتدريبية بناءً على معايير محددة لنواتج التعلم. وتأتي أهميته من كونه يوفر لغة مشتركة ومفهومة بين قطاعات التعليم المختلفة وسوق العمل، مما يسهل انتقال الأفراد بين مسارات التعليم والعمل، ويعزز من الاعتراف بالمؤهلات الوطنية على الصعيدين المحلي والدولي. وتعمل هيئة تقويم التعليم والتدريب، بصفتها الجهة المسؤولة عن ضمان الجودة في قطاعي التعليم والتدريب، على تطوير هذا الإطار بشكل دوري لضمان استجابته للمستجدات الاقتصادية والتقنية والاجتماعية.
الدكتوراه المباشرة: مسار مبتكر للباحثين المتميزين
من أبرز ملامح التحديث المقترح هو استحداث مسار “الدكتوراه المباشرة بعد البكالوريوس”، والذي يعادل مؤهل الدكتوراه التقليدي. ويتطلب هذا المسار المتقدم من الطالب اجتياز ما لا يقل عن 36 ساعة معتمدة من المقررات التخصصية المتقدمة، بالإضافة إلى إعداد رسالة علمية أصيلة ومبتكرة في مجال تخصصه. ولضمان العمق الأكاديمي والبحثي، حُددت مدة الدراسة للحصول على هذا المؤهل بما لا يقل عن خمس سنوات دراسية بنظام التفرغ الكلي. ويهدف هذا المسار إلى جذب الطلاب المتميزين وتسريع وتيرة تأهيل الكفاءات البحثية العليا التي تحتاجها الجامعات والمراكز البحثية والقطاعات الصناعية المتقدمة في المملكة.
تأثيرات متوقعة على الاقتصاد والمجتمع
يُتوقع أن يكون لهذا التحديث تأثير إيجابي متعدد الأبعاد. فعلى المستوى المحلي، سيسهم في سد الفجوة بين المهارات التي يكتسبها الخريجون واحتياجات أصحاب العمل، من خلال التركيز على المؤهلات المهنية والشهادات الاحترافية والبرامج المصغرة التي تلبي متطلبات وظيفية محددة. أما على المستوى الدولي، فإن مواءمة الإطار الوطني مع الأطر العالمية يعزز من قيمة المؤهل السعودي ويسهل حراك الكفاءات والطلاب، مما يرفع من تصنيف الجامعات السعودية ويعزز مكانة المملكة كوجهة تعليمية جاذبة.
توسيع نطاق المؤهلات: من المهنية إلى الاحترافية والمصغرة
لم يقتصر التحديث على الدرجات الأكاديمية العليا، بل شمل تعريفًا وتنظيمًا دقيقًا لمختلف أنواع المؤهلات. فقد تم تحديد “المؤهلات المهنية” التي ترتبط بمعايير مهنية معتمدة، و”الشهادات الاحترافية” التي توثق كفاءة تخصصية عالية، بالإضافة إلى “شهادات البرامج المصغرة” (Micro-credentials) التي توفر وحدات تعلم مرنة ومكثفة لمواكبة التطورات التقنية السريعة وتلبية احتياجات التطور الوظيفي والتعلم مدى الحياة.
بناء شخصية متكاملة: التركيز على المهارات والقيم
إدراكًا لأهمية المهارات الشاملة في بيئة العمل الحديثة، أولى الإطار المحدث اهتمامًا خاصًا بالمهارات الأساسية. وشمل ذلك “المهارات الاجتماعية والعاطفية” مثل التعاون والتواصل الفعال، و”المهارات الرقمية” التي تغطي مجالات حيوية كالذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني. كما تم التأكيد على منظومة القيم الوطنية والأخلاق المهنية، بهدف تخريج كوادر ليست فقط مؤهلة من الناحية الفنية، بل تتحلى بالمسؤولية والنزاهة والالتزام الأخلاقي، لتكون عنصرًا فاعلًا في تحقيق التنمية المستدامة.


