في خطوة استراتيجية تهدف إلى تعزيز البنية التحتية الرقمية في المملكة العربية السعودية، طرحت هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية مسودة مشروع تحديث «الخطة الوطنية للطيف الترددي» عبر منصة «استطلاع» الحكومية. وتهدف هذه الخطوة إلى إشراك العموم والمختصين والجهات ذات العلاقة في صياغة التحولات التنظيمية الجديدة، وضمان مواءمة السياسات المحلية مع أحدث المعايير الدولية، بما يعزز كفاءة استخدام الموارد الطبيعية المحدودة ويرسخ مبدأ الشفافية في إدارة قطاع الاتصالات والتقنية بالمملكة.
محاور التحديث والتحولات الجوهرية
ركزت الوثيقة المطروحة على أربعة محاور استراتيجية رئيسية، تهدف في مجملها إلى إعادة هيكلة الوثيقة التنظيمية وتوضيح أهدافها العامة. وتضمنت التعديلات المقترحة تغييرات جذرية في هيكل الجدول الوطني لتوزيع الترددات، شملت تحديث الحواشي الدولية والوطنية، وإضافة معلومات تفصيلية حول طبيعة الاستخدامات لفك الاشتباك بين التداخلات المحتملة. كما استحدثت الهيئة في مقترحها الجديد عموداً مستقلاً تحت مسمى «فئة وصول المستخدم»، يهدف إلى توضيح الجهات المستحقة لاستخدام كل نطاق ترددي بوضوح تام، سواء كانت جهات حكومية عسكرية ومدنية، أو جهات تجارية وأفراداً.
السياق الوطني وأهمية المورد الطبيعي
يأتي هذا الحراك التنظيمي متسقاً مع مستهدفات «رؤية المملكة 2030» التي تضع التحول الرقمي في صلب أولوياتها. ويُعد الطيف الترددي مورداً طبيعياً محدوداً وممكناً أساسياً لكافة التقنيات اللاسلكية الحديثة. وتكتسب هذه التحديثات أهمية قصوى نظراً للتسارع الكبير في تبني التقنيات الناشئة مثل إنترنت الأشياء (IoT)، والذكاء الاصطناعي، والمدن الذكية، مما يستدعي تنظيماً دقيقاً يضمن الاستغلال الأمثل لهذا المورد الوطني ويمنع الهدر أو التداخلات التي قد تعيق نمو الخدمات الرقمية.
تصنيف الخدمات والالتزام الدولي
أعادت المسودة تعريف الخدمات الراديوية بدقة، مقسمة إياها إلى خدمات أولية تتمتع بحق الحماية الكاملة من التداخلات، وخدمات ثانوية لا يحق لها المطالبة بالحماية من الخدمات الأولية، حتى وإن سبقتها في الاستخدام الزمني. وأكدت الهيئة التزام المملكة باللوائح الصادرة عن الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU)، حيث تم تحديث التوزيعات الوطنية لتتوافق مع مخرجات المؤتمرات العالمية للراديو، بما يحفظ مكانة المملكة التنظيمية والقيادية ضمن «الإقليم الأول» في التقسيم الجغرافي للاتحاد، ويعزز من موثوقية بيئة الاستثمار التقني في البلاد.
التأثير المتوقع وموعد التطبيق
من المتوقع أن يسهم هذا التحديث في تمكين الجيل القادم من التقنيات، بما في ذلك شبكات الجيل الخامس (5G) وما بعدها (6G)، بالإضافة إلى دعم قطاع الفضاء المتنامي في المملكة. وحددت الخطة المسؤوليات المالية بوضوح، مؤكدة أن مستخدمي الطيف الترددي سيتحملون تكلفة تعديل أو استبدال أنظمتهم القائمة لتتوافق مع المعايير الجديدة في حال وجود تعارض. وقد وضعت الهيئة مهلة زمنية للتطبيق، حيث من المقرر أن تدخل الخطة المعدلة حيز التنفيذ بعد تسعين يوماً من تاريخ اعتمادها الرسمي، مما يمنح الجهات المعنية وقتاً كافياً لتوفيق أوضاعها بما يخدم الاقتصاد الرقمي والأمن الوطني.


