في خطوة استراتيجية تهدف إلى دمج الروح الثقافية في نسيج المدن السعودية، دشنت وزارة الثقافة، برعاية صاحب السمو الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان وزير الثقافة، دليل “الثقافة والفنون في المشهد الحضري”. أُقيم حفل التدشين يوم الاثنين في مركز الدرعية لفنون المستقبل، بحضور نخبة من المسؤولين، يتقدمهم نائب وزير الثقافة الأستاذ حامد بن محمد فايز، ونائب وزير الشؤون البلدية والقروية والإسكان المهندس إيهاب غازي الحشاني.
يهدف هذا الدليل الوطني إلى أن يكون مرجعاً أساسياً للجهات المعنية بتخطيط وتنفيذ التدخلات الثقافية والفنية في الفراغات العامة، بما يسهم في تحسين المشهد الحضري، ويعزز من جودة الحياة في مدن المملكة، تحقيقاً لمستهدفات رؤية المملكة 2030 المتعلقة بالثقافة ونمط الحياة الحضري.
السياق العام ورؤية المملكة 2030
يأتي إطلاق هذا الدليل في سياق تحول وطني شامل تقوده رؤية 2030، التي تضع “جودة الحياة” كأحد أهم برامجها. منذ تأسيس وزارة الثقافة في عام 2018، عملت المملكة على إعادة تعريف دور الثقافة والفنون كعناصر أساسية في التنمية المجتمعية والاقتصادية. لم تعد الثقافة ترفاً، بل أصبحت محركاً لمدن أكثر حيوية وإنسانية. تسعى هذه المبادرات إلى تحويل الأماكن العامة من مجرد مساحات وظيفية إلى فضاءات تفاعلية تروي قصص المكان، وتعكس هويته، وتلهم سكانه وزواره على حد سواء، مما يجعل المدن السعودية وجهات جاذبة للمواطنين والمقيمين والسياح.
أهمية الدليل وتأثيره المتوقع
تكمن أهمية الدليل في كونه يقدم منهجية عمل موحدة وواضحة لدمج الفنون في التخطيط العمراني. على المستوى المحلي، من المتوقع أن يساهم الدليل في خلق بيئات حضرية أكثر جمالاً وتفاعلاً، مما يعزز الانتماء المجتمعي ويشجع على المشي والأنشطة الاجتماعية في الأماكن العامة. أما على المستويين الإقليمي والدولي، فإن هذه الخطوة تعزز من مكانة المملكة كمركز ثقافي رائد، وتبرز اهتمامها بالتنمية المستدامة التي ترتكز على الإنسان. إن تحويل المدن إلى معارض فنية مفتوحة يعكس نضجاً حضارياً ويضع السعودية على خريطة المدن العالمية المبدعة، مما يدعم قطاعي السياحة والترفيه بشكل مباشر.
شراكة استراتيجية لتكامل الجهود
خلال الحفل، ألقى نائب وزير الثقافة كلمة نيابة عن سمو الوزير، أكد فيها أن الدليل هو “ثمرة الشراكة التكاملية بين وزارة الثقافة ووزارة الشؤون البلدية والقروية والإسكان، لرسم مسار عملي للتفعيلات الثقافية في الفراغات العامة”. وأضاف: “تحمل مدننا ذاكرة تضم مساحات عامة تملك الكثير من المعاني في جوهرها، ويمكن لهذه الفراغات أن تتحول إلى تجارب حية، تبني العلاقة بين الإنسان ومحيطه، وتعمل على تحويل المكان إلى وجهة، وحكاية، وفضاء إبداعي”.
من جهته، أكد نائب وزير الشؤون البلدية والقروية والإسكان في كلمته أن “رؤية المملكة 2030 جاءت برؤية شاملة للمدينة؛ مدينة توازن بين الوظيفة والجمال، وبين الكفاءة والروح”. وأوضح أن الوزارة عملت على إعادة تعريف التخطيط الحضري ليضع الإنسان أولاً، ويتعامل مع الفراغات العامة كفرص للتفاعل والانتماء والتعبير الثقافي. وأشار إلى أن الدليل ينقل هذا التوجه من الفكرة إلى المنهج، ومن المبادرة إلى الاستدامة، عبر تقديم إطار وطني واعد يربط بين الثقافة والعمران.
منهجية عملية لتطوير المدن
يقدم الدليل نهجاً عملياً خطوة بخطوة لتنفيذ التدخلات الثقافية، بدءاً من فهم المجتمع والمكان، مروراً باختيار التدخل الفني المناسب، وصولاً إلى التنفيذ وقياس الأثر. ويستهدف الدليل الأمانات والبلديات، وهيئات التطوير، والمشاريع الكبرى، والممارسين من القطاعات الثقافية، لتمكينهم من إدماج الفنون في مشاريع تطوير الحدائق، والشوارع، والميادين، والساحات العامة. صُمم الدليل ليكون مرناً وقابلاً للتطبيق في مختلف مناطق المملكة، مع احترام خصوصية كل مدينة وتنوعها الثقافي وطابعها المعماري، ليمنح المدن لغة تعبر بها عن نفسها، ويمنح الإنسان مساحة يشعر فيها بأن المكان يشبهه.


