واصل الاقتصاد السعودي تسجيل معدلات أداء استثنائية خلال الربع الثالث من العام الجاري، حيث أظهرت البيانات الرسمية تسارع نمو الناتج المحلي الإجمالي ليصل إلى 4.8% على أساس سنوي، وهو ما يمثل أعلى معدل نمو تم تسجيله خلال هذا العام. يأتي هذا الإنجاز ليعكس نجاح السياسات الاقتصادية التي تنتهجها المملكة في إطار رؤية 2030، والتي تهدف إلى تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد الكلي على النفط.
شهادة ثقة دولية من صندوق النقد
في دلالة واضحة على متانة المركز المالي للمملكة، قام صندوق النقد الدولي بتعديل نظظرته المستقبلية للاقتصاد السعودي، رافعاً توقعاته للنمو إلى 4% لعامي 2025 و2026. وجاءت هذه المراجعة بزيادة قدرها 0.4 و0.1 نقطة مئوية على التوالي مقارنة بتقديرات شهر يوليو الماضي. ويرجع الخبراء هذا التفاؤل الدولي إلى استمرار تعافي الأنشطة غير النفطية وزيادة كفاءة الإنتاج النفطي، مما يعزز مكانة المملكة كواحدة من أسرع الاقتصادات نموًا ضمن مجموعة العشرين (G20).
انتعاش القطاع الخاص غير النفطي
لم يكن النمو مقتصراً على الأرقام الكلية فحسب، بل انعكس بشكل ملموس على القطاع الخاص غير النفطي، الذي سجل زخماً إيجابياً كبيراً. فقد ارتفع مؤشر مديري المشتريات (PMI) إلى مستوى 58.8 نقطة في شهر نوفمبر، مدفوعاً بزيادة ملحوظة في الطلب المحلي والخارجي، وتحسن معدلات التوظيف. هذا الانتعاش يؤكد فعالية الإصلاحات الهيكلية التي مكنت القطاع الخاص من قيادة قاطرة النمو الاقتصادي.
السياق الاقتصادي وأثر رؤية 2030
تتبنى رؤية السعودية 2030 نهجاً ديناميكياً ومرناً يعتمد على المراجعة المستمرة للخطط والبرامج الوطنية. وتركز الرؤية في مرحلتها الثالثة الحالية على رفع كفاءة الإنفاق الرأسمالي لتسريع إنجاز المشروعات الكبرى (Giga Projects)، واقتناص الفرص الاستثمارية في القطاعات الواعدة مثل السياحة، الترفيه، والصناعة. وتهدف هذه التحركات إلى خلق اقتصاد متنوع ومستدام قادر على مواجهة التقلبات الاقتصادية العالمية.
الأثر المتوقع: محلياً وإقليمياً
من المتوقع أن يلقي هذا النمو بظلاله الإيجابية على عدة أصعدة:
- محلياً: زيادة فرص العمل للمواطنين، تحسين جودة الحياة، وتعزيز القوة الشرائية، حيث يعد المواطن هو المحور الأساسي للرؤية.
- إقليمياً ودولياً: يعزز هذا النمو من جاذبية المملكة كوجهة رئيسية للاستثمار الأجنبي المباشر في الشرق الأوسط، ويؤكد دورها المحوري في استقرار أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.
طفرة في القطاع غير الربحي
بالتوازي مع النمو الاقتصادي، يشهد القطاع غير الربحي تحولاً جذرياً بفضل الدعم الحكومي الكبير. وقد ارتفعت مساهمة هذا القطاع في الناتج المحلي الإجمالي إلى 1.3% في عام 2023 بحجم بلغ 59 مليار ريال، مقارنة بـ 0.3% فقط في عام 2018. كما تجاوزت أعداد المتطوعين مستهدفات الرؤية (مليون متطوع) لتصل إلى 1.7 مليون متطوع بحلول عام 2025، مما يعكس تنامي الوعي المجتمعي ورسخ ثقافة العمل التطوعي.
وفي سياق متصل، قفز عدد العاملين في القطاع غير الربحي ليصل إلى 140 ألف موظف في 2025، بزيادة نسبية تجاوزت 600% مقارنة بعام 2017. كما ارتفع عدد المنظمات غير الربحية إلى أكثر من 7000 منظمة، مما يعزز من الأثر التنموي المستدام ويدعم التكافل الاجتماعي في المملكة.


