وفاة الناقد السعودي سعيد السريحي
غيب الموت يوم الأربعاء الناقد والأديب السعودي البارز سعيد السريحي، بعد مسيرة حافلة بالعطاء امتدت لعقود، تاركاً خلفه إرثاً ثقافياً وفكرياً غنياً. ويُعد السريحي، الذي وافته المنية في مدينة جدة، أحد أهم أعمدة النقد الأدبي الحديث في المملكة العربية السعودية والعالم العربي، حيث شكل رحيله خسارة كبيرة للمشهد الثقافي الذي كان أحد أبرز فاعليه وصانعي تحولاته.
سياق تاريخي: من الأكاديميا إلى التأثير العام
بدأ سعيد السريحي مسيرته الأكاديمية والمهنية في مدينتي الطائف وجدة، حيث حصل على شهادة الدكتوراه في الأدب والنقد، وعمل أستاذاً للأدب والنقد الحديث في جامعة أم القرى. لم تقتصر مسيرته على الجانب الأكاديمي، بل كان له حضور قوي ومؤثر في الساحة الصحفية، حيث عمل في صحيفة “عكاظ” وتولى رئاسة تحريرها لفترة، كما ترأس النادي الأدبي الثقافي بجدة، مما جعله شخصية محورية في الحراك الثقافي السعودي على مدى عقود.
أهمية السريحي وتأثيره في المشهد الثقافي
ارتبط اسم سعيد السريحي بمرحلة التحولات الفكرية الكبرى التي شهدتها الثقافة السعودية منذ سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وخاصة مع بروز تيار الحداثة. كان السريحي من أبرز المدافعين عن التجديد ومنظّريه، وخاض سجالات فكرية ونقدية شهيرة دفاعاً عن الأسئلة الجديدة في الأدب والفكر. تميز مشروعه النقدي بالجرأة والعمق، وقدرته على تفكيك النصوص الأدبية وربطها بسياقاتها الاجتماعية والثقافية. اشتهر بزاويه الصحفي “تخاريف” في صحيفة “عكاظ”، التي كانت منبراً لأفكاره النقدية اللاذعة ورؤاه الفكرية العميقة، وتناولت قضايا تتجاوز الأدب لتمس الشأن العام، مما أكسبه قاعدة قراء واسعة.
إرث فكري باقٍ
أثرى السريحي المكتبة العربية بالعديد من المؤلفات النقدية الهامة، من أبرزها “غواية الاسم: المعنى والدلالة في شعر محمد الثبيتي” و”الكتابة خارج الأقواس”. لم يكن مجرد ناقد أكاديمي، بل مثقفاً عضوياً تفاعل مع قضايا مجتمعه، وسعى من خلال كتاباته إلى ترسيخ خطاب نقدي عقلاني ومنفتح يرفض المسلمات الجاهزة. برحيل سعيد السريحي، تفقد الساحة الثقافية العربية صوتاً نقدياً فريداً، ومفكراً شجاعاً كرس حياته لخدمة الكلمة والفكر. ورغم غيابه، ستبقى كتاباته وأفكاره مصدر إلهام للباحثين والأدباء، وشاهدة على مسيرة حافلة بالعطاء الفكري والأدبي.


