تعزيز التعاون الاستراتيجي بين الرياض وبكين
في خطوة جديدة تؤكد على عمق العلاقات الاستراتيجية المتنامية بين المملكة العربية السعودية وجمهورية الصين الشعبية، عُقد الاجتماع الخامس للجنة الفرعية المعنية بمبادرة الحزام والطريق والمشروعات الهامة والطاقة. ترأس الاجتماع، الذي جرى عبر الاتصال المرئي، صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سلمان بن عبدالعزيز، وزير الطاقة السعودي، ومعالي رئيس اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح في الصين، السيد تشنغ شانجيه. وأكد الجانبان على التزامهما بمواصلة التنسيق الوثيق لتعزيز المواءمة بين استراتيجيات التنمية الطموحة لكلا البلدين.
سياق تاريخي لشراكة متصاعدة
لم يأتِ هذا الاجتماع من فراغ، بل هو حلقة في سلسلة طويلة من التعاون الذي شهد تطوراً ملحوظاً خلال العقد الماضي. انتقلت العلاقات السعودية الصينية من كونها علاقات تجارية ترتكز بشكل أساسي على الطاقة، إلى شراكة استراتيجية شاملة تم إعلانها رسمياً في عام 2016. وتعمقت هذه الشراكة بشكل كبير مع الزيارة التاريخية للرئيس الصيني شي جين بينغ إلى الرياض في ديسمبر 2022، والتي شهدت انعقاد ثلاث قمم (سعودية-صينية، وخليجية-صينية، وعربية-صينية)، مما أرسى أسساً متينة لتعاون متعدد الأوجه يمتد من الاقتصاد والتكنولوجيا إلى الثقافة والأمن.
أهمية المواءمة بين رؤية 2030 ومبادرة الحزام والطريق
يكمن جوهر هذا التعاون في التكامل الفريد بين “رؤية المملكة 2030″ و”مبادرة الحزام والطريق” الصينية. فبينما تسعى رؤية 2030 إلى تنويع الاقتصاد السعودي بعيداً عن النفط وتحويل المملكة إلى مركز لوجستي وصناعي عالمي، تقدم مبادرة الحزام والطريق إطاراً استثمارياً وبنياً تحتية عالمية يمكن أن تسرّع من تحقيق هذه الأهداف. وناقش الاجتماع الفرص المتاحة ضمن هذا الإطار، مع التركيز على قطاعات حيوية تشمل الطاقة بأشكالها التقليدية والمتجددة، والاستثمار، والصناعة، والتعدين، والفضاء، والمياه، والنقل، والمشاريع الكبرى التي تخدم المصالح المتبادلة وتفتح آفاقاً أوسع للنمو المستدام.
التأثيرات المتوقعة على الأصعدة المحلية والإقليمية والدولية
إن تعزيز هذه الشراكة يحمل في طياته تأثيرات بعيدة المدى. على الصعيد المحلي، يساهم التعاون مع الصين في جذب الاستثمارات ونقل التكنولوجيا المتقدمة، مما يدعم جهود المملكة في توطين الصناعات وخلق وظائف جديدة. إقليمياً، يرسخ هذا التحالف مكانة المملكة كلاعب محوري في استقرار المنطقة وكجسر يربط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا. أما دولياً، فإن التقارب بين أكبر مصدر للنفط في العالم وأكبر مستورد له يعيد تشكيل خريطة الطاقة العالمية ويؤثر على الديناميكيات الاقتصادية والجيوسياسية، مما يعزز التعددية القطبية ويدعم بناء نظام اقتصادي عالمي أكثر توازناً.
واختتم الاجتماع بالاتفاق على مواصلة تنسيق الجهود في الملفات ذات الاهتمام المشترك، وتحديد أولويات العمل للمرحلة المقبلة، بما يضمن ترجمة التوافق الاستراتيجي إلى مشاريع عملية وملموسة تعود بالنفع على شعبي البلدين الصديقين.


