أعلنت وزارة الصحة السعودية عن تحقيق إنجاز كبير في مجال الصحة العامة، مؤكدة خلو المملكة تمامًا من حالات الملاريا المنقولة محليًا (الأصلية) خلال عام 2024. جاء هذا الإعلان بعد إجراء فحوصات مخبرية دقيقة وموسعة شملت أكثر من 654 ألف شخص في مختلف مناطق المملكة، حيث أظهرت النتائج أن جميع الحالات الإيجابية المسجلة، والتي بلغت 7,041 حالة، كانت إما وافدة من خارج البلاد أو مقدمة نتيجة للعدوى من حالة وافدة.
السياق التاريخي لجهود مكافحة الملاريا في المملكة
يُعد هذا الإنجاز تتويجًا لعقود من العمل الدؤوب ضمن البرنامج الوطني لمكافحة الملاريا. تاريخيًا، كانت بعض مناطق المملكة، خاصة في الجنوب الغربي مثل جازان وعسير، تُصنف كمناطق موبوءة بالمرض بسبب طبيعتها الجغرافية والمناخية الملائمة لتكاثر بعوض الأنوفيلة الناقل للمرض. وقد أطلقت المملكة برامج مكافحة شاملة منذ منتصف القرن العشرين، ركزت على عدة محاور استراتيجية، منها مكافحة نواقل المرض عبر رش المبيدات وتجفيف المستنقعات، وتوفير التشخيص السريع والعلاج الفعال، بالإضافة إلى تعزيز الوعي المجتمعي. هذه الجهود المستمرة أدت إلى انخفاض حاد في عدد الحالات المحلية على مر السنين، وصولًا إلى مرحلة الإشهاد على خلو البلاد من المرض.
أهمية الإنجاز وتأثيره على الأمن الصحي
إن إعلان خلو المملكة من الملاريا المحلية لا يمثل نجاحًا صحيًا محليًا فحسب، بل له أبعاد إقليمية ودولية هامة. على الصعيد المحلي، يعزز هذا الإنجاز من منظومة الأمن الصحي الوطني ويؤكد كفاءة أنظمة الرصد الوبائي والوقاية في التعامل مع الأمراض المعدية. أما إقليميًا، فتقدم السعودية نموذجًا ناجحًا يمكن للدول المجاورة ذات الظروف المناخية المشابهة الاستفادة منه في برامجها لمكافحة المرض. دوليًا، يساهم هذا التقدم في تحقيق الأهداف الاستراتيجية لمنظمة الصحة العالمية الرامية إلى القضاء على الملاريا عالميًا.
تفاصيل إحصائيات الرصد لعام 2024
أوضحت الإحصائيات الرسمية أن نسبة الإيجابية العامة للإصابة بالملاريا لم تتجاوز 1.07% من إجمالي الفحوصات. وتم تصنيف الحالات الإيجابية إلى 6,850 حالة وافدة (Imported) و191 حالة مقدمة (Introduced)، مع تسجيل “صفر” حالات أصلية (Indigenous). وتصدرت منطقة جازان قائمة المناطق من حيث عدد الفحوصات والحالات المكتشفة، حيث تم فحص 149,244 شخصًا وتسجيل 3,251 حالة إيجابية، مما يعكس قوة الرصد في المناطق الحدودية التي تشكل خط الدفاع الأول. وجاءت منطقة عسير في المرتبة الثانية بـ 869 حالة، تلتها جدة التي سجلت أعلى معدل إيجابية بنسبة تجاوزت 5% بواقع 667 حالة مؤكدة. وفي المقابل، أظهرت المنطقة الشرقية استقرارًا وبائيًا ملحوظًا بتسجيل 434 حالة فقط من أصل 124 ألف فحص، بينما سجلت الرياض 513 حالة وافدة.
كما كشفت النتائج المخبرية عن أنواع الطفيليات المسببة للمرض، حيث تم رصد 3,798 حالة من نوع “المتصورة المنجلية” (P. falciparum) الأخطر، و2,876 حالة من نوعي “المتصورة النشيطة والبيضوية” (P. vivax/ovale)، بالإضافة إلى حالات أخرى. ويؤكد هذا النجاح قدرة النظام الصحي السعودي على حماية المواطنين والمقيمين، مع استمرار التحدي المتمثل في منع عودة توطن المرض من خلال الحالات الوافدة.

