في خطوة تنظيمية هامة تهدف إلى إعادة هيكلة قطاع النقل البري الدولي، أصدرت الهيئة العامة للنقل في المملكة العربية السعودية لائحتها التنفيذية الجديدة لنشاطي النقل الدولي للركاب بالحافلات والوكيل المحلي للناقل الأجنبي. تأتي هذه اللائحة لإنهاء حالة الفوضى والممارسات غير النظامية التي كانت سائدة، وتأسيس مرحلة جديدة من الاحترافية والجودة، مع التركيز على رفع معايير السلامة وحماية حقوق المسافرين.
السياق العام وأهداف رؤية 2030
تأتي هذه التشريعات الجديدة في إطار الجهود الأوسع التي تبذلها المملكة لتحقيق مستهدفات رؤية 2030، والتي تضع تطوير قطاع الخدمات اللوجستية والنقل في صميم أهدافها. فبصفتها وجهة لملايين الزوار سنوياً، خاصة خلال مواسم الحج والعمرة، تستقبل السعودية عدداً هائلاً من الحافلات القادمة من دول الجوار. وكان الوضع السابق يفتقر إلى تنظيم دقيق، مما سمح بوجود حافلات قديمة ومتهالكة، وممارسات غير مرخصة مثل “الكدادة” بين المدن من قبل ناقلين أجانب، مما كان يشكل خطراً على السلامة ويخلق منافسة غير عادلة مع الشركات المحلية الملتزمة بالأنظمة.
أبرز ملامح اللائحة الجديدة وشروط الترخيص
تهدف اللائحة إلى تنظيم السوق بشكل كامل، حيث ألزمت المنشآت الراغبة في ممارسة النشاط بالحصول على ترخيص من الهيئة صالح لمدة ثلاث سنوات. ويتطلب الترخيص استيفاء شروط صارمة تشمل وجود مركز رئيسي، وملاءة مالية وفنية، وامتلاك أسطول لا يقل عن خمس حافلات، سواء بالملكية أو التأجير التمويلي. كما فرضت اللائحة حداً أقصى للعمر التشغيلي للحافلة بعشر سنوات من سنة الصنع، لضمان حداثة الأسطول وكفاءته. ولتعزيز الرقابة الرقمية، أصبح الارتباط بمنصة الهيئة الإلكترونية شرطاً أساسياً لتداول البيانات بشكل فوري.
إلزامية “الوكيل المحلي” للناقل الأجنبي
من أبرز ما جاء في التنظيم الجديد هو إلزام أي ناقل أجنبي يرغب في العمل داخل المملكة بتعيين “وكيل محلي” مرخص. هذا الشرط يضمن وجود جهة مسؤولة داخل السعودية يمكن الرجوع إليها، حيث يكون الوكيل مسؤولاً أمام الهيئة عن جميع التزامات الناقل الأجنبي. ويقضي هذا الإجراء على ظاهرة الشركات الأجنبية التي تعمل دون غطاء قانوني محلي، مما يعزز المساءلة ويرفع مستوى الالتزام بالأنظمة السعودية.
السلامة أولاً: معايير صارمة للسائقين والحافلات
وضعت الهيئة سلامة الركاب على رأس أولوياتها، حيث شددت على ضرورة تجهيز الحافلات بوسائل راحة وسلامة أساسية مثل دورات المياه والرفوف الداخلية ومستودعات الأمتعة. وعلى صعيد العنصر البشري، أوجبت اللائحة حصول كل سائق على “بطاقة سائق مهني” بعد اجتياز اختبار الكفاءة، والتأكد من خلو سجله الجنائي، وحيازته رخصة قيادة سارية. وللرحلات الطويلة التي تتجاوز 400 كيلومتر، تم فرض وجود “سائق مساعد” لضمان تقيد السائقين بساعات القيادة والراحة المحددة، وتقليل حوادث الطرق الناتجة عن الإرهاق.
التأثير المتوقع على السوق المحلي والإقليمي
من المتوقع أن تحدث هذه اللائحة تأثيراً إيجابياً متعدد الأبعاد. فعلى الصعيد المحلي، ستؤدي إلى رفع جودة الخدمات المقدمة للمسافرين، وتعزيز السلامة على الطرق، وحماية الاستثمارات الوطنية في قطاع النقل من خلال منع المنافسة غير المشروعة. أما إقليمياً، فسترفع هذه الخطوة من معايير النقل البري في المنطقة، حيث ستضطر الشركات الأجنبية الراغبة في دخول السوق السعودي إلى تحديث أساطيلها والالتزام بأعلى معايير السلامة والتشغيل، مما ينعكس إيجاباً على قطاع النقل في دولها. كما تمنح اللائحة الجديدة صلاحيات واسعة للمفتشين لضبط المخالفات وفرض غرامات رادعة، مما يؤكد جدية المملكة في تطبيق هذه الأنظمة الجديدة وتحقيق أهدافها الاستراتيجية.


