خطوة استراتيجية لحماية صناعة البن الواعدة في المملكة
في خطوة تعكس الاهتمام المتزايد بقطاع زراعة البن كأحد الركائز الاقتصادية المستقبلية، أعلن المركز الوطني للوقاية من الآفات النباتية والأمراض الحيوانية ومكافحتها (وقاء) في المملكة العربية السعودية عن اعتماد مجموعة شاملة ومشددة من الاشتراطات الجديدة المنظمة لعمليات استيراد وتداول شتلات البن. تهدف هذه الإجراءات إلى تعزيز منظومة الأمن الحيوي النباتي، وحماية المزارع المحلية من الآفات والأمراض الخطيرة، وضمان إنتاج شتلات عالية الجودة وخالية من الأمراض، بما يتماشى مع أهداف رؤية المملكة 2030 لتنويع الاقتصاد ودعم المنتجات الوطنية.
السياق العام: البن السعودي من إرث ثقافي إلى مشروع وطني
تحظى زراعة البن في السعودية، وخصوصًا البن الخولاني في المناطق الجنوبية مثل جازان وعسير والباحة، بتاريخ عريق وإرث ثقافي عميق، حيث ارتبطت القهوة السعودية بتقاليد الكرم والضيافة. وفي السنوات الأخيرة، تحول هذا الإرث إلى مشروع وطني طموح. فمع إطلاق مبادرات مثل “عام القهوة السعودية 2022” واستثمارات ضخمة من قبل صندوق الاستثمارات العامة عبر تأسيس “شركة البن السعودية”، تسعى المملكة إلى زيادة إنتاجها من البن بشكل كبير، وتحويله من منتج محلي إلى سلعة قادرة على المنافسة في الأسواق العالمية. هذه الطموحات الكبيرة تتطلب بنية تحتية زراعية قوية ومحمية، وهو ما تفسره هذه الاشتراطات الصارمة.
تفاصيل الاشتراطات الجديدة لاستيراد شتلات البن
وضع مركز “وقاء” إطارًا تنظيميًا دقيقًا يغطي جميع مراحل الاستيراد والتداول، ويمكن تلخيص أبرز شروطه في النقاط التالية:
1. متطلبات ما قبل الاستيراد:
يشترط على المستوردين الحصول على إذن استيراد مسبق، مع تقديم طلب منفصل لكل بلد مصدر. يجب أن تكون الشتلات المستوردة من مشاتل معتمدة رسميًا في بلد المنشأ، مع إرفاق شهادة منشأ وشهادة صحة نباتية تثبت خلوها من الآفات. ومن أهم الشروط، أن تكون الشتلات قادمة من مناطق لم تسجل فيها أي إصابة ببكتيريا “Xylella fastidiosa”، وهي آفة مدمرة قضت على مساحات شاسعة من المحاصيل في أوروبا. كما يُمنع استيراد أي شتلات مُحورة وراثيًا.
2. الفحص عند الوصول والحجر الزراعي:
عند وصول الشحنات إلى المنافذ الحدودية للمملكة، تخضع لإجراءات تفتيش دقيقة تشمل فحص جميع الوثائق المرافقة والتحقق من مطابقتها للشحنة. يتم سحب عينات عشوائية وإرسالها إلى المختبرات المتخصصة للكشف عن قائمة واسعة من الآفات والأمراض، بما في ذلك بكتيريا “Xylella fastidiosa”، وأنواع مختلفة من النيماتودا، والفطريات المسببة لأمراض الجذور، بالإضافة إلى الحشرات الخطيرة.
3. المراقبة بعد الدخول والتداول المحلي:
لا تنتهي الإجراءات عند فسح الشحنة، بل تخضع الشتلات المستوردة لفترة مراقبة صارمة تمتد لعامين بعد زراعتها في مواقع الحجر الصحي المعتمدة. خلال هذه الفترة، يُمنع إكثار هذه الشتلات أو استخدامها كمصدر للطعوم أو العقل. يتم أخذ عينات دورية للتأكد من خلوها التام من أي أمراض كامنة. كما تضمنت الاشتراطات تنظيم إنتاج الشتلات داخل المزارع والمشاتل المحلية، مع ضرورة اعتمادها من الجهات المختصة واستخدام مصادر بذور وأمهات نقية وموثوقة.
الأهمية والتأثير المتوقع لهذه الإجراءات
تكمن أهمية هذه التشريعات في كونها تمثل درعًا وقائيًا للاستثمارات الضخمة التي يتم ضخها في قطاع البن. فدخول آفة واحدة مثل “Xylella fastidiosa” قد يؤدي إلى خسائر اقتصادية فادحة ويهدد المشروع الوطني بأكمله. على الصعيد المحلي، ستساهم هذه الإجراءات في رفع جودة المنتج النهائي من البن السعودي، وتعزيز ثقة المزارعين والمستهلكين، وضمان استدامة القطاع. أما على الصعيد الدولي، فإن تطبيق هذه المعايير الصحية النباتية الصارمة يعزز من سمعة المملكة كمنتج زراعي موثوق، ويمهد الطريق أمام صادرات البن السعودي للوصول إلى الأسواق العالمية التي تشترط معايير استيراد عالية.


